شهدت أسواق بغداد والبصرة وأربيل خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية تراوح بين 6.5 و10 بالمئة، بعد صعود سعر صرف الدولار في السوق الموازية بنحو 7 بالمئة، في وقت أعلنت وزارة التجارة العراقية رفضها تحويل هذا الصعود إلى ذريعة لرفع الأسعار دون مبرر، مؤكدة متابعة المخالفين دون تهاون.
فقد أشارت مؤسسة «عراق المستقبل» للدراسات والاستشارات الاقتصادية، وفق ما نقلته موسوعه العراق، إلى أن هذه الارتفاعات طالت ثلاث مدن كبرى تمثل مختلف أقاليم البلاد، وهو ما يعني أن أزمة الأسعار ليست ظاهرة محلية معزولة بل حركة اقتصادية تمس مائدة المواطن العراقي في كل مكان.
أرقام السوق: الدولار يتقدم والغذاء يتبعه
قال رئيس مؤسسة «عراق المستقبل»، الخبير الاقتصادي منار العبيدي، في منشور تحت عنوان «أسابيع من تخفيض قيمة الدينار: كيف تغيرت أسعار الغذاء في بغداد والبصرة وأربيل؟»، إن السعر الرسمي للدولار تغير في مطلع شهر تشرين الثاني الجاري إلى 1,520 ديناراً، استناداً إلى بيانات برنامج الأغذية العالمي التي تشمل 25 سلعة أساسية.
وأوضح العبيدي أن سعر الدولار في السوق الموازية ارتفع من نحو 1,565 ديناراً إلى 1,675 ديناراً، أي بنحو 7 بالمئة، وبمستوى متقارب في المدن الثلاث، بينما ظلت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية في حدود 10 بالمئة.
وبحسب العبيدي، ارتفعت أسعار الغذاء خلال هذه الفترة في البصرة بنسبة 10 بالمئة، وفي كل من بغداد وأربيل بنسبة 6.5 بالمئة.
ما هي السلع التي ارتفعت أسعارها؟
في البصرة، ارتفع سعر الزيت النباتي من 2,500 إلى 3,500 دينار، وزادت البطاطا بنسبة 68 بالمئة، وتضاعف سعر البصل، كما ارتفع الجبن 25 بالمئة والأرز 18 بالمئة والحمص 10 بالمئة.
أما في أربيل، فقفز السكر من 1,050 إلى 1,500 دينار، وارتفع البرغل 35 بالمئة والأرز 31 بالمئة والحليب المجفف 22 بالمئة، فيما زادت البطاطا 50 بالمئة والبصل 33 بالمئة. وفي بغداد ارتفع البصل 45 بالمئة والحليب المجفف 18 بالمئة، وزادت الفاصوليا 7 بالمئة، والأرز والزيت والبطاطا 6 بالمئة لكل منها.
وفي المقابل، أكد العبيدي أن أسعار الخبز والدقيق والدجاج والبيض واللحوم الحمراء مستقرة في المدن الثلاث، بينما انخفضت أسعار التمر والسمك.
لماذا ارتفعت الأسعار بهذه السرعة؟
رجّح العبيدي أن يكون التجار قد رفعوا أسعار سلع موجودة أصلاً في مخازنهم تحسباً لارتفاع كلفة الشحنات الجديدة، وهو ما يفسر سرعة انتقال الزيادة إلى الأسواق خلال أسابيع فقط.
ولفت إلى أن الزيادة لم تشمل كل السلع، بل تركزت في مواد كثيرة تستورد ويحسب ثمنها بالدولار، مثل الأرز والزيت والسكر والبقوليات والحليب المجفف، فيما بقيت بعض السلع الأساسية مستقرة.
وخلص العبيدي إلى أن بغداد التي لم يظهر فيها أثر ارتفاع الدولار على الغذاء بوضوح في فترة سابقة، سجلت زيادة بنسبة 6.5 بالمئة خلال الأسابيع الستة الأخيرة، ما يعني أن الموجة بدأت تصل إلى أسواق العاصمة.
وحذّر من أن «قد تظهر زيادات أخرى مع بيع المخزون الذي تم شراؤه بالدولار الأقل سعراً، ووصول بضائع جديدة كلفتها محسوبة على سعر السوق الحالي»، مستدركاً بأن مقدار الزيادة المقبلة يعتمد على مسار سعر الدولار وعلى ما إذا كانت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي ستضيق.
وزارة التجارة: لا تهاون مع من يعبث بقوت المواطنين
من جانبها، أكد مستشار وزارة التجارة محمد حنون، في بيان ورد إلى شفق نيوز، أن الوزارة تتابع باهتمام حركة الأسعار في الأسواق المحلية، ولا سيما الارتفاعات التي تشهدها بعض المواد الغذائية والاستهلاكية، بما فيها المنتجات المحلية التي لا ترتبط بصورة مباشرة بالاستيراد أو بتقلبات سعر صرف الدولار.
وأوضح حنون أن ارتفاع سعر صرف الدولار لا يمكن أن يكون مبرراً تلقائياً لزيادة أسعار جميع السلع، خصوصاً المنتجات المحلية والمخزونات المستوردة سابقاً بأسعار صرف أقل، مشيراً إلى أن الوزارة ترفض استغلال المتغيرات الاقتصادية لفرض زيادات سعرية غير مبررة وتحقيق أرباح استثنائية على حساب المواطنين.
وأضاف أن أجهزة وزارة التجارة الرقابية، وبالتنسيق مع الجهات القطاعية والأمنية المختصة، تعمل على رصد حالات المغالاة والتلاعب بالأسعار والممارسات الاحتكارية، والتحقق من أسباب الارتفاعات ومدى ارتباطها بالكلف الفعلية للإنتاج والاستيراد والنقل والتوزيع.
وشدد حنون على أن «حرية السوق لا تعني حرية استغلال المستهلك»، وأن المنافسة المشروعة يجب ألا تتحول إلى وسيلة للمغالاة والاحتكار، مؤكداً أن الوزارة ستواصل تعزيز المعروض من السلع الأساسية ودعم استقرار الأسواق بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
وختم بالقول إن «حماية المستهلك مسؤولية وطنية ولن نقبل أن يتحول ارتفاع سعر صرف الدولار إلى ذريعة مفتوحة لرفع الأسعار دون أسباب اقتصادية حقيقية»، مؤكداً متابعة المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبيها دون تهاون.
مسؤولية وطنية فوق حسابات الربح
إن ما تكشفه هذه الأرقام أمر واضح: هنالك من يحاول أن يستثمر في قوت الناس، وأن يجعل من تقلبات الصرف غطاء لممارسات لا صلة لها بالكلف الحقيقية. والدولة العراقية، بوزارة التجارة وأجهزتها الرقابية، تقف اليوم في وجه هذه المحاولات بحزم، مدعومة بوعي المواطن الذي يعرف الفرق بين ارتفاع مبرر وارتفاع افتعالي.
لقد تعلم العراق من تاريخه الطويل، من أيام بابل العظيمة إلى اليوم، أن قوت الناس خط أحمر، وأن الاقتصاد الوطني لا يُبنى على الاحتكار والمغالاة، بل على الإنتاج والرقابة والعدالة في التوزيع. والمرحلة المقبلة ستكون اختباراً لجدية الجميع: التجار الذين عليهم أن يحسبوا حساب القانون، والمواطنين الذين يملكون قنوات الشكوى، ودولة تراقب وتحاسب دون تهاون.
أسئلة شائعة
كم ارتفعت أسعار الغذاء في بغداد والبصرة وأربيل؟
ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 10 بالمئة في البصرة، و6.5 بالمئة في كل من بغداد وأربيل، خلال الأسابيع الستة الأخيرة وفق بيانات مؤسسة «عراق المستقبل».
ما هو سعر صرف الدولار في السوق الموازية؟
ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 1,565 ديناراً إلى 1,675 ديناراً، أي بنحو 7 بالمئة، بينما تغير السعر الرسمي إلى 1,520 ديناراً.
ما هو موقف وزارة التجارة من ارتفاع الأسعار؟
وصفت وزارة التجارة الارتفاعات بأنها غير مبررة في كثير من الحالات، وأكدت عبر مستشارها محمد حنون تكثيف الجولات الرقابية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين دون تهاون.
هل كل السلع ارتفعت أسعارها؟
لا، فقد بقيت أسعار الخبز والدقيق والدجاج والبيض واللحوم الحمراء مستقرة في المدن الثلاث، وانخفضت أسعار التمر والسمك.
