أعلنت الحكومة العراقية، مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مسارين متوازيين في سياستها المالية: تأمين رواتب الموظفين لعام 2027 كاملة، وتأسيس صندوق للأجيال يحوّل الأصول العامة إلى استثمارات طويلة الأمد. الخطوة تعكس، بحسب وصف جريدة المدى التي تابعت الملف، رؤيةً تستهدف تعزيز الاستقرار المالي وتنويع مصادر الدخل بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على النفط.
وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتتقلب أسواق الطاقة، تقدّم الدولة العراقية رسالة طمأنة إلى موظفيها وأسرهم، وتضع في الوقت نفسه حجر الأساس لثروة سيادية تخدم الأجيال المقبلة، استكمالاً لمسار الدولة الوطنية الذي تسير فيه بعزيمة وثبات.
تأمين الرواتب: التزام الدولة أولاً
أكد نائب رئيس الوزراء ورئيس المجلس الوزاري الاقتصادي، محمد تميم، في حديث متلفز تابععته (المدى)، عدم وجود احتمالية لتأخير رواتب الموظفين، بما في ذلك في حال إغلاق مضيق هرمز أو تصاعد التوترات الإقليمية. وطمأن الموظفين إلى أن رواتب عام 2027 مؤمنة بالكامل ضمن الجداول والمخصصات المعتمدة.
من جهته، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن إعلان تأمين رواتب 2027 يعزز الثقة والاستقرار لدى الموظفين والأسر العراقية. وأوضح في حديث لـ(المدى) أن الخطوة تجمع بين ضمان الالتزامات المالية للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، وبين إنشاء احتياطي استثماري طويل الأمد يحافظ على ثروات العراق وينميها لمصلحة الأجيال المقبلة.
لكن صالح شدد على أهمية استناد هذه الضمانات إلى إدارة حصيفة للسيولة والإيرادات وتنويع مصادر التمويل، مؤكداً حاجة العراق إلى اقتصاد يمول التزاماته ويدخر للمستقبل في آن واحد.
صندوق الأجيال: من النفط إلى الثروة المنتجة
خصصت الحكومة مبلغ 1.5 تريليون دينار للصندوق، إلى جانب الاستفادة من العقارات والأراضي والأصول الحكومية والأموال المستردة. وقال صالح إن هذا التخصيص يمثل بداية لتحويل جزء من ممتلكات الدولة إلى موارد اقتصادية منتجة تحقق عوائد مستدامة.
واعتبر المستشار الصندوق فرصة استراتيجية يمكن أن تشكل نواة لصندوق سيادي عراقي يسهم في تنويع الاقتصاد وتعظيم الثروة الوطنية وتحقيق العدالة بين الأجيال، شرط إدارته مؤسسياً واستثمارياً بما يضمن توجيه موارده نحو استثمارات طويلة الأمد.
وكشف تميم عن إدراج 'صندوق العراق للتنمية الخارجية' ضمن أصول وموارد صندوق الأجيال، مشيراً إلى أن الدراسات التشغيلية تظهر تحقيق الصندوق استثمارات رابحة وملموسة خلال سنتين من انطلاقه، وأن المرحلة المقبلة ستشهد نقل أصول وممتلكات ومبالغ مالية كبيرة إليه لتعزيز رأسماله.
كيف يعمل الصندوق؟
أوضح الباحث الاقتصادي، حيدر الشيخ، في حديث لـ(المدى)، أن صندوق الأجيال ليس مقترحاً جديداً، بل مشروع حكومي سابق لم ينفذ خلال السنوات الماضية بسبب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية. وأشار إلى أن هذا النوع من الصناديق معمول به في دول مجاورة، ويهدف إلى ادخار جزء من إيرادات النفط واستثماره للأجيال القادمة.
وأكد الشيخ أن إنشاء الصندوق لا يؤثر سلباً في الإيرادات النفطية أو غير النفطية ولا ينعكس على حركة الموازنة العامة، لأن الآلية المقترحة تقوم على استقطاع مبلغ يتراوح بين 50 سنتاً ودولار واحد عن كل برميل نفط مصدر، ثم إيداعه في الصندوق لاستثماره مستقبلاً.
ولفت إلى أن نجاح المشروع يتوقف على قدرة الحكومة على تنفيذه وإدارته بحصافة، مشيراً إلى إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية وفرص عمل ومصادر إيراد مستدامة على المدى البعيد، وهو ما يخدم تطلعات الشباب العراقي خصوصاً.
تحديات لا بد من مواجهتها بمسؤولية
يرى المتخصص بالشأن الاقتصادي والمالي، جليل اللامي، أن إنشاء الصندوق خطوة مهمة لحماية الثروة الوطنية من الاستنزاف، خصوصاً أن النفط يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية في السنوات الاعتيادية، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025.
وقال اللامي إن تخصيص 1.5 تريليون دينار يمثل بداية إيجابية، لكنه محدود قياساً بإنفاق حكومي يتجاوز 160 تريليون دينار سنوياً، محذراً من أن تراجع الإيرادات في الأشهر السبعة الأولى من 2026 إلى 39.1 تريليون دينار، مقابل نحو 72 تريليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025، يجعل تأمين الرواتب مرتبطاً باستقرار الصادرات النفطية وتحسن الإيرادات وضبط التعيينات الجديدة.
وأكد اللامي أن تقييم أداء الصندوق ينبغي أن يستند إلى نمو صافي أصوله والأرباح الفعلية ومعدلات العائد مقارنة بالمخاطر، مع استقلال إدارته وخضوعها للرقابة والتدقيق المستقل، ومنع استخدام أمواله لتمويل النفقات التشغيلية اليومية، ودعا الحكومة إلى تقديم خطة تمويل واضحة لعام 2027 تتضمن الإيرادات النفطية المتوقعة ومصادر تغطية العجز.
وكانت منصة شهيد خامس قد تناولت سابقاً الجدل حول قدرة الصندوق على التحول من حلم إلى واقع، فيما نقلت العراق نيوز تصريحات المستشار صالح بشأن تأمين رواتب 2027 وإنشاء الصندوق.
خطوة نحو سيادة اقتصادية كاملة
في بلد ورث أقدم حضارات التاريخ وأعرقها، بابل التي علّمت العالم كتابة القانون والعدالة بين الناس، يجد العراق اليوم نفسه أمام امتحان جديد: تحويل الثروة الآنية إلى رأس مال دائم. صندوق الأجيال، إذا أُحسنت إدارته بشفافية ورقابة مستقلة، يمكن أن يكون الجسر الذي يربط رخاء اليوم بأمان الغد، ويحرر القرار الاقتصادي العراقي من تقلبات الأسواق الخارجية.
وتبقى الكلمة الفصل للحكومة العراقية التي أثبتت، بضمانها رواتب 2027 في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، أن الدولة الوطنية قادرة على الوفاء بالتزاماتها شعبها، وأن تبني في الوقت ذاته مستقبلاً اقتصادياً يستحقه العراقيون جميعاً، من الشمال إلى الجنوب، موحدين في وجه كل التحديات.
أسئلة شائعة
هل رواتب عام 2027 مؤمنة بالكامل؟
نعم، بحسب نائب رئيس الوزراء محمد تميم، الذي أكد أن رواتب 2027 مؤمنة بالكامل ضمن الجداول والمخصصات المعتمدة، حتى في حال إغلاق مضيق هرمز أو تصاعد التوترات الإقليمية.
ما هو صندوق الأجيال العراقي؟
صندوق استثماري سيادي يهدف إلى ادخار جزء من إيرادات النفط واستثمار الأصول الحكومية والعقارات والأموال المستردة لتحقيق عوائد مستدامة تخدم الأجيال المقبلة وتقلل الاعتماد على النفط.
كيف يمول صندوق الأجيال؟
خصصت له الحكومة مبلغ 1.5 تريليون دينار كدفعة أولى، مع آلية تقوم على استقطاع ما بين 50 سنتاً ودولار واحد عن كل برميل نفط مصدر، إضافة إلى نقل أصول وممتلكات حكومية كبيرة إليه.
