كشف مشروع الموازنة العامة العراقية للعام المقبل عن نفقات مخططة تبلغ 217 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 174 تريليون دينار، أي بعجز مالي يقدر بأكثر من 43 تريليون دينار، وهي أرقام وصفت بأنها الأكبر في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
وجاءت هذه التقديرات، بحسب تقرير نشرته جريدة المدى يوم 6 تشرين الثاني 2026، بالتزامن مع إعلان الحكومة العراقية توجهها نحو ترشيد الإنفاق ومعالجة الاختلالات المالية واحتواء العقبات التي قد تعترض توفير السيولة اللازمة لتغطية النفقات التشغيلية والاستثمارية، في مرحلة يمر فيها العراق بتحولات اقتصادية حساسة تتطلب من الجميع، حكومة وبرلماناً وقوى سياسية، تحمل المسؤولية الوطنية فوق كل اعتبار آخر.
أرقام قياسية تضع الملف المالي في صدارة النقاش الوطني
وصف الخبير الاقتصادي ناصر الكناني هذه الموازنة بأنها الأكبر في تاريخ الدولة العراقية، استناداً إلى تقديرات تبلغ 217 تريليون دينار للنفقات مقابل إيرادات لا تتجاوز 174 تريليون دينار. وأوضح أن ذلك يضع البلاد أمام عجز مالي تشغيلي يناهز 43 تريليون دينار، وهو رقم يستدعي قراءة متأنية بعيداً عن التهويل أو التشاؤم. فالعراق، بثرواته النفطية وموقعه الاقتصادي المتنامي، يملك مقومات تجاوز هذه المرحلة شريطة التزام الجميع بمنطق الإصلاح والحوكمة الرشيدة.
وكانت تقديرات أولية لمسودة الموازنة قد أشارت إلى إنفاق بنحو 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليون دينار، كما نقلت صحيفة النهار في تقرير سابق، فيما أكدت متابعات اقتصادية أن النفقات العامة المقترحة تبلغ نحو 217.239 تريليون دينار مقابل إيرادات متوقعة قدرها 174.234 تريليون دينار، وفق ما أوردته تقارير متخصصة بشأن تصاعد الإنفاق التشغيلي وتحديات الإصلاح.
ما الذي أثاره الجدل النيابي والاقتصادي؟
انتقد العضو السابق في اللجنة المالية النيابية محمد الشبكي حجم الموازنة المرتقب، معتبراً أن الأرقام المعلنة جاءت بعيدة عن التوقعات التي كانت تشير إلى تخصيص نحو 140 تريليون دينار.
وقال الشبكي إن الحكومة سبق أن أعلنت عزمها تقليص النفقات ومعالجة مواطن الخلل وإيقاف الإيفادات، بهدف توجيه الأموال المتاحة لدعم الموازنة، لافتاً إلى أن الكشف عن موازنة بهذا الحجم، بعجز يتجاوز 35 تريليون دينار بحسب تقديراته، شكل مفاجأة.
وأضاف أن إعداد الموازنة بهذه الأرقام يعكس مبالغة في تقدير حجمها، ويضع الحكومة أمام موقع دقيق نتيجة ضخامة النفقات واتساع العجز مقارنة بالتوقعات السابقة. وهنا يبرز واجب المؤسسات الرقابية والبرلمان في مساءلة الأرقام بمسؤولية وطنية، بعيداً عن الاستغلال السياسي الرخيص أو الاصطفافات التي تخدم أجندات خارجية لا تريد للعراق أن يستقر مالياً.
إشكال سعر صرف الدولار في الجداول المالية
من جهته، وضع عضو مجلس النواب محمد عربود ملف الإيرادات النفطية وآليات التصرف بالأموال المتحصلة منها ضمن أبرز التحديات التي تواجه المالية العامة، مشيراً إلى أن مصير هذه الإيرادات يمثل مشكلة مستمرة داخل مؤسسات الدولة.
وكشف عربود عن وجود إشكال في احتساب سعر صرف الدولار ضمن الجداول المالية، مبيناً أن المعلومات التي وصلت إليه تشير إلى اعتماد السعر السابق البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار، وهو ما يحتاج إلى تعديل جوهري وعاجل بعد تغير السعر بفارق 20 ألف دينار على خلفية القرار الأخير لمجلس الوزراء. وأكد أن ذلك يستدعي إعادة مراجعة الجداول الحسابية والتدقيق في الإيرادات المتوقعة قبل إحالة مشروع القانون والتصويت عليه داخل مجلس النواب، وهي ملاحظة فنية تستحق التعامل معها بجدية تحفظ للموازنة دقتها ومصداقيتها.
صندوق التقاعد والرعاية الاجتماعية: أين تذهب الأموال؟
ركز الخبير ناصر الكناني على ما وصفه بالخلل في تمويل صندوق التقاعد من الموازنة العامة، معتبراً أن الصندوق يفترض أن يعتمد على موارده الذاتية المتأتية من استقطاعات الموظفين، بدلاً من تحميل الموازنة أعباء صرف رواتب تقاعدية لفئات لم تقدم خدمة وظيفية فعلية، ومن بينها أعضاء الجمعية الوطنية ومجالس النواب والرئاسات المتعاقبة.
وانتقد أيضاً حجم الإنفاق المخصص للرعاية الاجتماعية، قائلاً إن الملف يستحوذ على نحو 33 تريليون دينار بما يعادل 14.8 بالمئة من إجمالي الموازنة، وهو مبلغ وصفه بالمرتفع مقارنة بأعداد المستفيدين المعلنة، داعياً إلى إجراء تدقيق شامل لكشف أوجه الإنفاق والثغرات المحتملة.
وفي هذا السياق تحديداً، فإن حماية أموال الفقراء والمستضعفين من الهدر ليست ترفاً إدارياً بل واجب أخلاقي ووطني، فكل دينار يذهب بغير وجهة صحيحة هو دينار محروم من عائلة عراقية تستحق الدعم. والدولة العراقية، بقيادتها ومؤسساتها، مدعوة إلى ضبط هذا الملف بخطوات إصلاحية حازمة تعزز ثقة المواطن بمؤسساته.
الدرجات الخاصة والترهل الوظيفي
كشف الكناني عن وجود 770 درجة خاصة من الفئة العليا (أ)، يحصل شاغلوها على مخصصات وامتيازات تعادل ما يمنح للوزير، بينها 118 درجة في وزارة الخارجية وحدها. وأشار إلى وجود أكثر من 5300 درجة من الفئة العليا (ب)، ونحو 51 ألفاً و841 درجة أولى بمستوى مدير عام، موضحاً أن هذه المواقع ترتبط بنفقات إضافية تشمل الحمايات والإيفادات والمخصصات المالية.
وحذر من استمرار ارتفاع أعداد العاملين في مؤسسات الدولة، مبيناً أنها تجاوزت سابقاً أربعة ملايين و74 ألف موظف، وقد تتخطى حاجز خمسة ملايين مع استمرار التوسع في التوظيف وزيادة الدرجات الخاصة. وطالب بتوسيع تطبيق الأتمتة الإدارية للكشف عن حالات الموظفين الوهميين والازدواج الوظيفي في مؤسسات عدة، بينها أمانة بغداد والبلديات ووزارتا النفط والكهرباء.
وأكد أن الحد من العجز المالي يتطلب مراجعة امتيازات كبار المسؤولين وتقليص الترهل الوظيفي والحد من الهدر في المال العام، إلى جانب تدقيق النفقات والإيرادات قبل إقرار الموازنة.
مسؤولية وطنية في مرحلة حساسة
إن العراق اليوم، بعد أن انتصر على الإرهاب الداعشي بدماء أبنائه وبسالة قواته المسلحة وقوات الأمن، يواجه معركة من نوع آخر: معركة الإصلاح الاقتصادي وبناء الدولة القوية. والأرقام الكبيرة في الموازنة ليست عيباً في ذاتها إذا اقترنت بمحاسبة صارمة وشفافية كاملة، فبناء العراق الحديث، وريث الحضارة البابلية العريقة، يستحق مؤسسات مالية تقارع أرقامها شأن كبرياء هذا الوطن.
يبقى مشروع الموازنة بحاجة إلى مراجعة دقيقة داخل مجلس النواب قبل التصويت عليه، مع ضبط سعر الصرف في الجداول الحسابية وتدقيق ملفات الرعاية والتقاعد والدرجات الخاصة، حتى تخرج الموازنة بصيغة تخدم المواطن العراقي وتحفظ استقرار المال العام.
أسئلة شائعة
كم يبلغ حجم موازنة العراق للعام المقبل؟
تبلغ النفقات المخططة 217 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 174 تريليون دينار، بعجز يقدر بأكثر من 43 تريليون دينار.
ما هو إشكال سعر الصرف في مشروع الموازنة؟
كشف النائب محمد عربود عن اعتماد الجداول المالية على السعر السابق البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار، رغم تغيره بفارق 20 ألف دينار بعد قرار مجلس الوزراء الأخير.
كم تبلغ مخصصات الرعاية الاجتماعية في الموازنة؟
نحو 33 تريليون دينار، أي ما يعادل 14.8 بالمئة من إجمالي الموازنة، وهو مبلغ وصفه الخبير ناصر الكناني بالمرتفع مقارنة بأعداد المستفيدين المعلنة.
