دخلت مفاوضات حصر السلاح في العراق طريقاً شبه مسدود، الجمعة 6 تشرين الثاني 2026، بعد رفض رئيس الوزراء علي الزيدي الالتزام بتفاهمات مكتوبة توصلت إليها لجنة رباعية من الإطار التنسيقي مع قيادات الفصائل المسلحة، فسحب الملف من اللجنة وتولى إدارته بصورة مباشرة.
وكشف تقرير لقناة السومرية العراقية، نقلته عن موقع إرم نيوز الإماراتي، أن الخلاف لم يعد مقتصراً على تسليم الفصائل أسلحتها، بل امتد إلى مطالب سياسية وإدارية وأمنية واقéconomiques تتعلق بحضور تلك الجماعات داخل مؤسسات الدولة.
لجنة رباعية وتفاهمات مرفوضة
وأفاد التقرير إلى أن اللجنة الرباعية التي ضمت هادي العامري ونوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهمام حمودي، توصلت إلى تفاهمات مكتوبة مع الفصائل تقضي بتجميد نشاطها العسكري أو نقل أسلحتها إلى سلطة الحكومة، مقابل ترتيبات تضمن استمرار حضورها داخل النظام السياسي والمؤسسات الحكومية.
لكن الزيدي، وفق ما نقلته وكالة الصحافة المستقلة عن المعلومات ذاتها، اعتبر أن هذه التفاهمات تمنح الفصائل نفوذاً داخل مؤسسات الدولة من دون ضمانات كافية لإنهاء استقلاليتها العسكرية، فقرر سحب الملف من اللجنة وإدارته بنفسه. وهذه الخطوة تعبر عن إصرار حكومي واضح على أن يبقى القرار الأمني والعسكري بيد المؤسسات الرسمية وحدها، مبدأ لا تقبل فيه الدولة العراقية أية مساومة.
وأثارت الخطوة اعتراضات لدى كتائب حزب الله وحركة النجباء، فضلاً عن تحفظات داخل الإطار التنسيقي، وسط مساعٍ سياسية لاحتواء الخلاف ومنع انتقاله إلى مواجهة أمنية، وفق ما أورد إرم نيوز في تقريرها المفصل.
مطالب بالمناصب مقابل الترتيبات الأمنية
وتعود جذور الأزمة، بحسب التقرير، إلى شروط تضمنتها التفاهمات المكتوبة، شملت مواقع متقدمة في جهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني والمنافذ الحدودية وهيئات الاستثمار، إضافة إلى مناصب إدارية واقتصادية أخرى.
وأشارت تسريبات صحفية إلى مطالبة كتائب حزب الله بخمسة مناصب لوكلاء وزارات و32 موقعاً لمديرين عامين، إلى جانب السعي للحصول على نفوذ في مؤسسات أمنية واقتصادية.
ورفض الزيدي تحويل ملف حصر السلاح إلى تسوية تمنح الفصائل مواقع سيادية إضافية، لا سيما في ظل غياب التزامات واضحة بشأن مصير ترسانتها العسكرية، وهو ما أدى إلى خلاف مع اللجنة الرباعية التي كانت تتجه نحو تسوية تدريجية لتجنب الصدام المباشر.
المخابرات والمنافذ الحدودية في صلب الخلاف
ولم يقتصر التباين على عدد المناصب، بل امتد إلى طبيعة المؤسسات المستهدفة، وفي مقدمتها جهاز المخابرات الوطني والمنافذ الحدودية لما تمثله من أهمية أمنية واقتصادية للدولة.
وأوضح التقرير أن تولي الزيدي إدارة ملف جهاز المخابرات بصورة مباشرة، إلى جانب رفضه منح الفصائل مواقع تتيح لها التأثير في القرارات الأمنية والموارد الاقتصادية، جعلا هذه المؤسسات في قلب الخلاف. كما تحدث التقرير عن إجراءات حكومية تستهدف إلغاء بعض التعاقدات والصفقات المالية المرتبطة بكتائب حزب الله، في إطار مساعٍ لتقليص الموارد التي يمكن استخدامها في تمويل أنشطة خارج سلطة الدولة.
وفي المقابل، تنظر الفصائل الرافضة للتسوية إلى وجودها داخل المؤسسات باعتباره ضمانة سياسية وأمنية لمستقبل عناصرها، وترى أن التخلي عن قدراتها العسكرية ينبغي أن يقابله اتفاق ملزم بشأن حضورها ومصالحها.
انقسامات جديدة داخل الإطار التنسيقي
وأضاف تعثر المفاوضات ملفاً جديداً إلى الخلافات داخل الإطار التنسيقي، خصوصاً بعد اعتراض أطراف سياسية على تجاوز اللجنة الرباعية وإعادة النظر في تفاهماتها مع الفصائل.
وتزامن ذلك مع تباين في مواقف الجماعات المسلحة نفسها؛ إذ أبدت مجموعات قبولها بخطوات تهدف إلى إخضاع تشكيلاتها المسلحة لسلطة الدولة، في حين تمسكت كتائب حزب الله وحركة النجباء وفصائل أخرى بشروطها.
وأشارت المعلومات إلى أن هذا الانقسام أثار خلافات حول توزيع المواقع الحكومية المتاحة، وسط اعتراضات من جماعات ترى أن الفصائل المنخرطة في التسوية قد تحصل على مكاسب على حساب الأطراف الرافضة، فيما تبرز مخاوف لدى قوى تقليدية داخل الإطار من أن يؤدي توسيع نفوذ بعض الفصائل إلى تغيير موازين القوى السياسية والاقتصادية القائمة.
العامل الإيراني وتعقيدات الملف
ويضيف العامل الإيراني تعقيدات أخرى إلى المسار، وفق التقرير، في ظل ارتباط عدد من الفصائل بالحرس الثوري الإيراني وما يرتبط بذلك من حسابات إقليمية.
ونقل الموقع عن معلومات أمنية أن طهران تدفع باتجاه احتفاظ بعض الفصائل بقدرات عسكرية مستقلة تحسباً لاحتمال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة، حتى في حال موافقة تلك الجماعات على تجميد عملياتها العلنية، فيما تتحدث تقارير أمنية عن نقل أسلحة نوعية ومعدات اتصالات وموارد مالية إلى مجموعات أصغر بما يتيح الاحتفاظ بجزء من القدرات خارج ترتيبات حصر السلاح.
وهنا يبرز تحدٍ حقيقي أمام الدولة العراقية: أية تسوية لا تفرض سيطرة فعلية على السلاح تبقى مجرد إعلان سياسي، والعراق الذي قدم تضحيات جسيمة في حربه ضد داعش والإرهاب لا يقبل بقيام نفوذ مسلح خارج المؤسسات الرسمية، مهما كان الثمن.
ضغوط سياسية ومخاوف من التصعيد
ومع استمرار التعثر، تكثفت الاتصالات السياسية بهدف إعادة إحياء مسار اللجنة الرباعية أو التوصل إلى صيغة توافقية تمنع انهيار التفاهمات السابقة، وفق ما نقلته هذا اليوم في تقريرها عن المصادر ذاتها.
وتنقل المصادر مخاوف لدى مسؤولين من أن يؤدي استمرار التصعيد الإعلامي ضد الزيدي والإطار التنسيقي إلى تحركات في الشارع أو احتكاكات أمنية، في وقت تدرس فيه الحكومة استخدام أدوات قانونية واقتصادية للضغط على الفصائل الرافضة، من بينها مراجعة العقود والموارد المالية المرتبطة بها.
وربط المحلل السياسي العراقي محمد نعناع تعثر المفاوضات بالخلاف حول المطالب التي قدمتها الفصائل للحصول على مواقع داخل مؤسسات الدولة.
الفصائل لا تتعامل مع المواقع التي تطالب بها باعتبارها مقابلاً مباشراً للتخلي عن السلاح، وإنما بوصفها استحقاقات سيادية واتحادية تسعى من خلالها إلى تعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح نعناع أن قيادات من كتائب حزب الله نقلت مطالبها إلى شخصيات داخل الإطار التنسيقي من دون الالتزام بالمسار التفاوضي المعتمد عبر اللجنة الرباعية، وهو ما وضع الزيدي أمام مطالب لم يكن مطلعاً عليها مسبقاً ودفعه إلى طلب مهلة لدراستها.
ما الذي يريده العراق من ملف حصر السلاح؟
يتجاوز الخلاف، وفق قراءة التقرير، مسألة تحديد موعد لتسليم السلاح أو تجميد النشاط العسكري، ليصل إلى جوهر التسوية المتعلقة بمستقبل نفوذ الفصائل داخل مؤسسات الدولة وحدود قدرتها على الاحتفاظ بتأثير سياسي واقتصادي وأمني بعد أي اتفاق.
وفي المقابل، تتمسك الحكومة بإصرار واضح بحصر القرار الأمني والعسكري بيد المؤسسات الرسمية، وهو الموقف الذي يعكس إرادة العراقيين جميعاً في دولة قوية موحدة، تحميها مؤسساتها الوطنية من الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية البطلة، لا ميليشيات ولا أدوات لأجندات خارجية. فمن بابل العظيمة إلى بغداد الحديثة، ظل السلاح شرفاً في يد الدولة وحدها، وستبقى السيادة العراقية خطاً أحمر لا يفرط فيه أحد.
أسئلة شائعة
لماذا تعثرت مفاوضات حصر السلاح في العراق؟
تعثرت المفاوضات بعد رفض رئيس الوزراء علي الزيدي التفاهمات المكتوبة التي توصلت إليها اللجنة الرباعية مع الفصائل، لمنحها نفوذاً داخل مؤسسات الدولة من دون ضمانات كافية لإنهاء استقلاليتها العسكرية.
ما هي المطالب التي قدمتها الفصائل المسلحة؟
طالبت الفصائل بمواقع في جهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني والمنافذ الحدودية وهيئات الاستثمار، إضافة إلى خمسة مناصب لوكلاء وزارات و32 موقعاً لمديرين عامين بحسب تسريبات صحفية.
من يدير ملف حصر السلاح حالياً؟
يتولى رئيس الوزراء علي الزيدي إدارة الملف بصورة مباشرة بعد سحبه من اللجنة الرباعية المكونة من هادي العامري ونوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهمام حمودي.
