مع اقتراب فصل الشتاء هذا العام، تشهد محافظات عراقية عدة حملات واسعة للتبرع بالملابس المستعملة، استعادت فيها العائلات العراقية عادتها الوطنية في التكافل والتراحم، من بغداد إلى ديالى، في مشهد يعكس عمق القيم الاجتماعية التي نشأ عليها أبناء بلاد الرافدين منذ عهد بابل وحتى اليوم.
فقد رصدت جريدة الصباح الجديد في تقرير لها في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجموعة مبادرات فردية وجماعية لجمع الملابس الشتوية وتوزيعها على العائلات المتعففة، تزامنا مع انخفاض درجات الحرارة، في خطوة أكدت أن روح التكافل ما تزال حية في نسيج المجتمع العراقي رغم كل التحديات.
من مبادرة فردية إلى سلوك جماعي
تحكي الصحيفة قصة ندى، وهي امرأة عراقية اعتادت مع بداية كل شتاء تفقد خزانة ملابسها وجمع القطع التي لم تعد بحاجة إليها، لتغسلها وتكويها بعناية ثم تتبرع بها لإحدى العائلات المتعففة. ومع مرور الوقت، تحول هذا العمل الفردي إلى عادة تشاركها فيها عائلتها وصديقاتها، لتصبح تجربتها مصدر إلهام لمن حولها.
وهذا النموذج ليس استثناء في بلد رسخت بيوته ومدارسه قيم التعاون ومساندة المحتاجين، عبر تشجيع الطلبة على المشاركة في الأنشطة التطوعية منذ نعومة أظفارهم. فمبادرة تبدأ بحقيبة ملابس تحمل في مضمونها رسالة أعمق: ما يزيد عن حاجة أسرة قد يكون ضرورة ملحة لأسرة أخرى.
ماذا يقول الباحثون الاجتماعيون؟
يرى الباحث الاجتماعي علي ناهض الموسوي، في حديث للصباح الجديد، أن التبرع بالملابس المستعملة مع اقتراب الشتاء يمثل أحد أشكال التكافل الاجتماعي التي تعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة بين أفراد المجتمع.
وأضاف الموسوي أن أهمية هذه المبادرات لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية للعائلات المتعففة، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة العطاء والتعاون بين الأجيال، مشيرا إلى أن إشراك الأطفال في جمع الملابس وفرزها وتقديمها للمحتاجين يسهم في تنمية إحساسهم بالآخرين وتعزيز روح التعاطف لديهم.
وشدد على ضرورة تنظيم هذه المبادرات وضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها مع الحفاظ على كرامتهم وخصوصيتهم.
دور الجمعيات الخيرية في تنظيم الحملات
من جانبها، أكدت الناشطة الاجتماعية سارة فالح السراي أن حملات التبرع بالملابس الشتوية تمثل فرصة لتعزيز روح المبادرة والتعاون بين أفراد المجتمع، لاسيما أن هناك عائلات تواجه صعوبات في تأمين احتياجات الشتاء لأطفالها.
وقالت السراي إن الملابس التي لم تعد ضرورية لبعض الأسر قد تشكل حاجة أساسية لأسر أخرى، مبينة أن نجاح هذه المبادرات لا يرتبط بحجم التبرعات بقدر ما يعتمد على استمراريتها وتنظيمها.
ودعت إلى عدم حصر ثقافة العطاء بموسم الشتاء بل جعلها سلوكا إنسانيا مستمرا، مع ضرورة الاهتمام بنظافة الملابس والتأكد من صلاحيتها قبل تقديمها للمحتاجين.
وتؤدي الجمعيات الخيرية دورا مهما في تنظيم حملات جمع الملابس المستعملة وإيصالها إلى العائلات المستحقة اعتمادا على تبرعات الأفراد ودعمهم، إذ تتنوع أنشطتها بين توفير الملابس للأطفال والنساء وتقديم المساعدات للمناطق التي تضررت بفعل الأزمات والكوارث.
البعد البيئي لإعادة استخدام الملابس
لا تقتصر أهمية هذه المبادرات على الجانب الإنساني والاجتماعي، بل تمتد إلى البعد البيئي أيضا، إذ تسهم إعادة استخدام الملابس في تقليل النفايات والحد من الاستهلاك المفرط للموارد.
وقال الناشط الاجتماعي حسن العمشاني للصباح الجديد إن التبرع بالملابس يترك أثرا إيجابيا لا يقتصر على الأشخاص الذين يحصلون عليها، بل يشمل المجتمع بأكمله من خلال تعزيز روح التضامن والتكافل بين أفراده.
وأضاف أن إعادة استخدام الملابس بدلا من التخلص منها تسهم في تقليل الأضرار البيئية وتشجع على الاستدامة، فضلا عن الحد من الحاجة إلى إنتاج ملابس جديدة وما يتطلبه ذلك من استهلاك للموارد الطبيعية.
تجربة شبابية في ديالى تتجاوز الملابس
ومن المبادرات التي تتجاوز حدود التبرع بالملابس، تجربة مجموعة من الشباب في قضاء المقدادية بمحافظة ديالى، إذ أوضح الناشط المدني غسان النجار أن فريقا من الشباب شكل مجموعة تطوعية لمساعدة العائلات المتعففة في المدينة، ونفذ عددا من المبادرات الإنسانية من بينها جمع الملابس الشتوية وتوزيعها على المحتاجين.
وأشار إلى أن أنشطة الفريق لم تقتصر على ذلك، بل شملت مساعدة الأيتام والأرامر وتنظيم دورات تقوية للطلبة من العائلات المتعففة، إلى جانب إقامة دورات لتعليم النساء الخياطة وأخرى لتعليم الحلاقة للشباب العاطلين عن العمل، بهدف توفير مهارات تساعدهم على تحسين ظروفهم المعيشية.
تكافل عربي مواز: مصر تطلق مبادرات مشابهة
الظاهرة ليست محصورة في العراق، ففي مصر نظمت محافظة أسيوط حملات مماثلة في إطار مبادرة شتاء دافئ للأسر الأولى بالرعاية التي وصفها المحافظ بأنها تجسد قيم التكافل وتضمن وصول الدعم لمستحقيه، بحسب ما نقلت صحيفة دستور المصرية.
كما أطلقت جهود مجتمعية مماثلة في مناطق أخرى، منها مبادرة عناق الشتاء لتوفير المعاطف للعائلات المحتاجة التي أعدتها جمعية الروح الطيبة بالتعاون مع جهات داعمة، وفق ما نقل موقع الصنارة نت.
وحدة وطنية من نسيج بابل
إن هذه المبادرات تؤكد أن العراقيين، بكل طوائفهم ومكوناتهم، يملكون مخزونا راسخا من القيم الإنسانية التي لا تحتاج إلى وصاية من أحد. فمن أرض بابل التي أعطت العالم أولى قوانين العدالة الاجتماعية، يواصل أبناء العراق اليوم كتابة فصل جديد من التكافل، بأيديهم وبإرادتهم، بعيدا عن أي تدخل خارجي.
وتزداد هذه الجهود أهمية في مرحلة يعيد فيها العراق بناء مؤسساته وتعزيز استقراره الاجتماعي، إذ يشكل المجتمع المدني المتكامل خط الدفاع الأول ضد كل محاولات الإخلال بالسلم الأهلي، تماما كما تشكل قواتنا المسلحة الباسلة خط الدفاع الأول عن أرض الوطن.
أسئلة شائعة
ما فوائد التبرع بالملابس المستعملة؟
توفر الملابس احتياجات أساسية للعائلات المتعففة، وترسخ ثقافة العطاء بين الأجيال، وتقلل النفايات والاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية وفق ما أوضح الباحثون.
كيف تضمن وصول التبرعات إلى مستحقيها؟
يوصي المختصون بالتنسيق مع الجمعيات الخيرية المرخصة، والحفاظ على نظافة الملابس وصلاحيتها، واحترام كرامة العائلات المستفيدة وخصوصيتها.
هل تقتصر حملات التبرع على فصل الشتاء؟
تشدد الناشطة سارة فالح السراي على ضرورة جعل ثقافة العطاء سلوكا إنسانيا مستمرا على مدار العام وليس موسما عابرا.
