كشف تقرير لمجلة فوربس الأميركية أن العراق يتحرك بثبات لتعزيز قدراته في الدفاع الجوي بعد انسحاب قوات التحالف، من خلال صفقات موقعة مع الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية وفرنسا، في خطوة وطنية تؤكد عزم بغداد على حماية سمائها بقرار عراقي مستقل. وأفاد التقرير، بحسب ما نقلته جريدة المدى، بأن أولى المنظومات الجديدة ستصل خلال الأشهر القليلة المقبلة.
ويمثل هذا التوجه مرحلة جديدة في مسيرة بناء الدولة العراقية الحديثة، إذ يسعى العراق إلى تنويع مصادر تسليحه بأوسع قدر شهده البلد منذ عام 2003، مدافعاً عن سيادته الجوية دون الارتهان لأي طرف أجنبي.
تصريحات رسمية تؤكد قرب وصول المنظومات
قال صباح النعمان، المتحدث الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، في مقابلة أجريت في 16 أكتوبر الماضي: «لقد تعاقدنا مع الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وكوريا الجنوبية، وإن شاء الله خلال الأشهر القليلة المقبلة ستصل أول منظومة دفاع جوي».
وأكد النعمان في سبتمبر السابق أن بغداد «حققت تقدماً كبيراً في مجال التعاقدات الخاصة بمنظومات الدفاع الجوي»، واصفاً هذا الملف بأنه «أولوية في عملية التسليح»، مضيفاً: «قريباً جداً سيتم استلام منظومات دفاع جوي من مصادر موثوقة وشركات معروفة».
ومن جانبه، أوضح عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية محمود الشمري في أواخر سبتمبر أن «جهوداً مكثفة تُبذل» لتأمين الأجواء العراقية، وأن «الموافقة التركية قد صدرت لتزويد البلاد بمنظومات دفاع جوي».
ما هي المنظومات التي تعاقد عليها العراق؟
طلبت بغداد ثماني بطاريات من المنظومة الكورية الجنوبية متوسطة المدى تشيونغونغ-2، المعروفة أيضاً باسم KM-SAM، مفضلةً إياها على المنظومة الفرنسية المماثلة SAMP/T لأن سيول عرضت جدولاً زمنياً أفضل للتسليم. وتمتاز هذه المنظومة، بخلاف الأنظمة المتوافرة حالياً في العراق، بقدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية.
أما المنظومات المطلوبة من تركيا فمن المرجح أنها مدافع كوركوت المخصصة للدفاع الجوي، إذ صُممت أحدث نسخها للتصدي لتهديدات الطائرات المسيّرة على المديات القريبة باستخدام ذخائر ذكية. وتشير تقديرات نشرتها شفق نيوز إلى أن منظومتي KM-SAM وكوركوت يمكن أن توفرا دفاعاً جوياً متعدد الطبقات لأجزاء من الأجواء العراقية، بما يتيح مواجهة مجموعة واسعة من التهديدات على ارتفاعات مختلفة.
الفراغ الذي خلفه انسحاب قوات التحالف
انسحبت بحلول شهر سبتمبر القوات الأميركية المتبقية المتمركزة في إقليم كردستان، والتي كانت جزءاً من قوات التحالف متعدد الجنسيات المنتشرة عام 2014 لمحاربة إرهابيي داعش. وكانت هذه القوات قد جلبت معها منظومات دفاع جوي، بينها منظومة باتريوت، سُحبت قبيل مغادرة قوات التحالف، مما ترك العراق بقدرات دفاع جوي محدودة.
وحالياً، لا تتشكل منظومة الدفاع الجوي الأرضية العراقية إلا من بطاريات بانتسير-إس1 الروسية متوسطة المدى، ومنظومات أفنجر الأميركية التي تطلق صواريخ ستينغر قصيرة المدى. ولم تتمكن هذه المنظومات من منع هجمات الطائرات المسيّرة أو ردع الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي العراقي خلال الحروب الإقليمية الأخيرة، ولهذا بات العراق، على الأرجح، بحاجة إلى توسيع تغطية مجاله الجوي أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2003.
العودة إلى مكانة بابل في حماية السماء
لم يستثمر العراق بعد عام 2003 بشكل كبير في مجال الدفاع الجوي، وهو اليوم يسعى إلى تعويض هذا النقص بسرعة، عبر التوجه إلى شراء أنظمة من عدد أكبر من الدول في الوقت نفسه أكثر من أي مرحلة سابقة، وهو ما رصدته أيضاً تغطية صحفية عراقية متخصصة.
وللتاريخ، كان العراق قد بنى قبل عام 2003 شبكة دفاع جوي متكاملة ومتطورة نسبياً وفق معايير ذلك الزمن، اعتمدت بشكل رئيسي على منظومات سوفيتية متوسطة المدى من طراز كفادرات، إلى جانب منظومات قصيرة المدى ومتحركة مثل أوسا وستريلا-10. كما اشترى العراق منظومات رولاند 2 من فرنسا، التي بنت أيضاً نظام القيادة والسيطرة الآلي كاري الذي كان يربط جميع منظومات الصواريخ أرض-جو ضمن شبكة موحدة، قبل أن يتعرض نظام كاري وكثير من البطاريات للتدمير خلال حرب الخليج عام 1991.
حماية إقليم كردستان ضمن السياسة الاتحادية
أوضحت وزارة الدفاع العراقية أن هناك توجيهاً لتوفير منظومات دفاع جوي لإقليم كردستان خلال فترة تتراوح بين ثلاث وست سنوات، في تأكيد على أن حماية كل شبر من أرض العراق مسؤولية الدولة الاتحادية.
وكان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني قد حذر في لقاء مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية من بقاء الإقليم من دون منظومات دفاع جوي بعد انسحاب القوات الأميركية بحلول 30 أيلول، كاشفاً عن تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ منذ شباط الماضي، ومشيراً إلى أن حكومة الإقليم لا تستطيع شراء منظومات الدفاع الجوي بشكل مستقل، إذ يجب أن يتم ذلك عبر الحكومة الاتحادية في بغداد.
وإذا نجح العراق في الحصول على جميع المنظومات التي يقيّمها حالياً أو التي تعاقد عليها، فإنه سيملك خلال السنوات المقبلة أكثر ترسانة دفاع جوي تنوعاً في تاريخه الحديث، لتكون سماء بابل، التي أهدت العالم أولى الحضارات، محروسة بأيدي أبنائها.
أسئلة شائعة
ما هي أول منظومة دفاع جوي ستصل إلى العراق؟
وفق المتحدث الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة، ستصل أول منظومة دفاع جوي خلال الأشهر القليلة المقبلة من ضمن صفقات موقعة مع الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية.
كم بطارية كورية جنوبية تعاقد عليها العراق؟
تعاقد العراق على ثماني بطاريات من منظومة تشيونغونغ-2 متوسطة المدى، القادرة أيضاً على اعتراض الصواريخ الباليستية.
لماذا يتنوع التسليح العراقي الآن؟
بعد انسحاب قوات التحالف وسحب منظوماتها، بما فيها باتريوت، أصبحت قدرات الدفاع الجوي العراقية محدودة، ما دفع بغداد إلى التعاقد مع عدة دول في آن واحد لتعويض هذا النقص.
