حذرت معلمة التربية الرياضية ندى صالح، في حديث لـجريدة الصباح الجديد نشر يوم 2 تشرين الثاني 2026، من أن ردود فعل بعض الآباء بعد المنافسات الرياضية قد تدفع الأطفال إلى الابتعاد نهائياً عن الرياضة، محذرة من تحويل مشاهد التشجيع إلى ساحة للانتقاد والتوبيخ.
يأتي هذا التحذير في وقت تحتل فيه الرياضة المدرسية مكانة متزايدة في مؤسساتنا التربوية، باعتبارها مدرسة لبناء الشخصية الوطنية وتنمية روح الانتماء والانضباط لدى الجيل الجديد، وهو ما يجعل حماية أطفالنا من الضغوط النفسية غير المبررة مسؤولية أسرة ومدرسة ومجتمع على حد سواء.
قصة حسن.. حين يتحول التشجيع إلى عبء
لم يكن والد حسن يتوقع أن تتحول كلماته، التي أراد بها تشجيع ابنه على تجاوز خسارة فريقه، إلى سبب يدفعه للابتعاد عن الرياضة التي أحبها منذ طفولته. ففي طريق العودة من إحدى المباريات، اختار الأب مناقشة أداء ابنه والأخطاء التي ارتكبها، معتقداً أن ملاحظاته ستدفعه إلى تقديم الأفضل في المرات المقبلة، من دون أن يدرك أن ابنه كان يحتاج في تلك اللحظة إلى من يتفهم خيبة أمله قبل أن يذكّره بأخطائه.
ومع تكرار هذه المواقف، فقد حسن رغبته في مواصلة اللعب وقرر ترك فريقه، فيما لم تفلح محاولات والده المتكررة في إقناعه بالعودة إلى ممارسة الرياضة التي كانت تمنحه السعادة. وتسلط هذه القصة الضوء على جانب مهم من العلاقة بين الآباء والأبناء بعد المنافسات، حين تتداخل الرغبة في التشجيع مع الانتقاد، فتتحول النصائح، على رغم حسن النية، إلى ضغط نفسي يجعل الطفل ينظر إلى الرياضة بوصفها مصدراً للقلق بدلاً من المتعة.
ماذا تقول التربية الرياضية عن دور الآباء؟
قالت معلمة التربية الرياضية ندى صالح إن ردود فعل الآباء بعد انتهاء المنافسات تؤدي دوراً مهماً في تشكيل علاقة الأبناء بالرياضة، ولا سيما عندما يواجهون الخسارة أو لا يحققون النتائج التي كانوا يطمحون إليها.
وأوضحت أن بعض الآباء يعبّرون عن خيبة أملهم بكلمات قاسية أو يوبخون أبناءهم بسبب خسارة المباراة، معتقدين أن ذلك سيدفعهم إلى تحسين أدائهم، إلا أن هذه الطريقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يشعر الطفل بالإحباط والخوف من الفشل، وقد يفقد ثقته بنفسه أو رغبته في مواصلة ممارسة الرياضة.
وأضافت أن استخدام المنافسة الرياضية وسيلة لمعاقبة الطفل أو الانتقام منه بسبب نتيجة المباراة يضعه تحت ضغط نفسي كبير، ويجعله ينظر إلى الرياضة بوصفها مصدراً للخوف والتوتر، بدلاً من أن تكون نشاطاً ممتعاً يسهم في بناء شخصيته وتنمية قدراته.
وأكدت صالح أن دور الآباء لا يقتصر على تشجيع أبنائهم عند الفوز، بل يمتد إلى مساندتهم عند الخسارة، والاستماع إليهم، ومساعدتهم على فهم أخطائهم والاستفادة منها، بعيداً عن مقارنتهم بالآخرين أو التقليل من قدراتهم.
وشددت على أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأن حب أسرته ودعمها لا يرتبطان بالفوز أو الخسارة، وأن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم والتطور.
دراسة أمريكية: الصمت بعد المباراة قد يكون مفيداً
في السياق ذاته، رصدت دراسة أجراها الباحث جيمن كيم من جامعة ولاية ميشيغان الأمريكية المحادثات التي تدور بين الآباء وأطفالهم خلال رحلات العودة إلى المنزل بعد المباريات الرياضية.
وأظهرت نتائج الدراسة أن الصمت استحوذ على نحو 59 بالمئة من الوقت الذي قضاه المشاركون داخل السيارة، في حين لم يشغل الحديث المتعلق بالرياضة سوى 13 بالمئة من الوقت. وتشير هذه النتائج إلى أن الصمت لا يعني بالضرورة ضعف التواصل بين الآباء وأطفالهم، بل قد يمنح الطفل مساحة يحتاج إليها لاستيعاب مشاعره بعد المباراة، سواء أكانت خسارة أثارت إحباطه أم فوزاً ملأه بالحماس والسعادة.
كما لاحظ الباحثون أن بعض الآباء كانوا أكثر تفاؤلاً بشأن أداء أبنائهم مقارنة بتقييم الأطفال لأنفسهم، في حين كان بعضهم يتدخل سريعاً في الحديث من دون إتاحة الفرصة الكافية للطفل للتعبير عما يشعر به. وفي عبارة تختصر التباين بين حب الرياضة والضغوط التي قد ترافقها، قال أحد الأطفال المشاركين في الدراسة إنه يحب ممارسة الرياضة، لكنه لا يمارسها من أجل الدخول في تلك المناقشات بعد المباريات.
ظاهرة أوسع تشمل المنافسات والبطولات
وليست الضغوط النفسية على الأطفال في المنافسات الرياضية شأناً محلياً فحسب، بل ظاهرة عالمية متزايدة. فقد حذر تقرير أوردته يورونيوز صناعة الرياضات الإلكترونية من إهمال رفاهية اللاعبين الصغار، مشيراً إلى أن المتطلبات النفسية للمنافسة تمثل مصدر قلق إضافياً بفعل الطبيعة المرهقة لهذه الرياضات.
كما أعادت الجزيرة نت فتح النقاش بشأن العنف في رياضات الأطفال وضغوط تحقيق البطولات التي يتقبلها بعض الأهالي رغم كلفتها النفسية والبدنية على أبنائهم، بعد حادثة صفعة مدرب للاعبة تنس طاولة مصرية.
رسالة إلى بيوتنا: الرياضة مدرسة وليست محكمة
إن أبناءنا هم ثروة الوطن القادمة، ورياضتنا المدرسية والناشئة هي نافذة العراق على المستقبل، من ملاعب بغداد والبصرة إلى مناطق أهلنا كافة. ومسؤوليتنا جميعاً، أهلاً وتربويين ومؤسسات، أن نحمي هذه الثروة من كل ما يشوه علاقتها بالملعب، فالجسد السليم والنفس السوية هما أساس بناء جيل قادر على رفع راية الوطن.
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية في ضوء تجربة حسن؛ إذ قد لا يحتاج الطفل بعد الخسارة إلى تحليل أخطائه فوراً بقدر حاجته إلى الشعور بأن مشاعره مفهومة، وأن خسارة مباراة لا تقلل من قيمته أو من قدرته على النجاح مستقبلاً.
أسئلة شائعة
كيف يتعامل الأب مع ابنه بعد خسارة مباراة؟
وفق ندى صالح، ينبغي مساندة الطفل والاستماع إليه أولاً، ثم مساعدته لاحقاً على فهم أخطائه والاستفادة منها، مع التأكيد على أن حب الأسرة لا يتوقف على النتيجة.
هل الصمت في السيارة بعد المباراة مشكلة؟
تشير دراسة جامعة ولاية ميشيغان إلى أن الصمت قد يكون مفيداً، لأنه يمنح الطفل مساحة لاستيعاب مشاعره، وقد شغل نحو 59 بالمئة من وقت الرحلات التي رصدتها الدراسة.
لماذا يهجر الأطفال الرياضة؟
حسب التقرير، يهجر بعض الأطفال الرياضة عندما تتحول النقاشات بعد المباريات إلى انتقاد وتوبيخ، فيصبح النشاط مصدر قلق بدلاً من المتعة، كما حدث في حالة حسن.
