تتجه بغداد إلى تعزيز حضور الشركات الأميركية الكبرى في قطاع النفط الوطني، في خطوة تعكس إرادة الدولة العراقية في تنويع مسارات تصدير الثروة النفطية وحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات المنطقة. ففي غضون عام 2026، وقعت وزارة النفط اتفاقاً استشارياً مع شركة شيفرون، وأعلنت كونوكو فيليبس صفقة للاستحواذ على حصة في تطوير حقول كركوك، بمواكبة صفقة قيمة تتجاوز 60 مليار دولار أُعلنت خلال قمة الأعمال الأميركية العراقية في واشنطن في تموز 2026.
وبحسب تقرير نشره موقع موسوعه العراق نقلاً عن تقرير لمجلة ناشونال إنترست الأميركية، فإن الشركتين الأميركيتين تسلكان مسارين استثماريين مختلفين داخل العراق، تشمل حقل غرب القرنة 2 وحقول الشمال، إضافة إلى مشاريع بنية تحتية لتصدير النفط عبر منافذ جديدة نحو البحر المتوسط.
لماذا يسعى العراق إلى مسارات تصدير جديدة؟
يمتلك العراق نحو 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، أي ما يقارب 9% من الاحتياطيات العالمية، وفق ما نقلت وكالة شفق نيوز عن التقرير. لكن هذه الثروة الوطنية الضخمة لا تزال تعتمد على عدد محدود من منافذ التصدير، ما يجعلها عرضة للتأثر بالتطورات الأمنية والإقليمية.
فمعظم صادرات العراق تمر اليوم عبر الخليج، ما يربطها مباشرة بالأوضاع في مضيق هرمز. وهنا تتجلى حكمة القيادة العراقية في سعيها إلى إعادة تشغيل المنافذ التاريخية الأخرى، فخط كركوك جيهان، الممتد لنحو 986 كيلومتراً، استأنف عملياته في عام 2026 بعد توقف دام سنوات، ووصلت صادرات النظام الشمالي عبره إلى قرابة 250 ألف برميل يومياً أواخر أيلول 2026، بعد تدفقات أولية بلغت نحو 170 ألف برميل يومياً.
في المقابل، لا يزال خط كركوك بانياس متوقفاً منذ عام 2003 رغم طاقته التصميمية البالغة نحو 700 ألف برميل يومياً، كما أن خط أنابيب العراق عبر السعودية، المعروف باسم آي بي إس إيه والبالغ طاقته نحو 1.65 مليون برميل يومياً، لا يزال معطلاً.
شيفرون وكونوكو فيليبس: مساران لخدمة الاقتصاد الوطني
تتبع شركة كونوكو فيليبس مساراً يركز على إعادة تطوير الحقول المنتجة في الشمال. ففي 17 تموز 2026، أعلنت الشركة اتفاقاً مع بي بي للاستحواذ على حصة تبلغ 42% في شركة بي بي إنرجي كومباني أوف كركوك، تشمل تطوير وإنتاج النفط من قبتي بابا وأفانا في حقل كركوك، إلى جانب حقول باي حسن وجمبور وخباز، التي تتجاوز مواردها القابلة للاستخراج 3 مليارات برميل من المكافئ النفطي. ومن المتوقع إتمام الصفقة بحلول نهاية 2026 رهناً بالموافقات اللازمة.
أما شيفرون، فتتفاوض لتولي تشغيل حقل غرب القرنة 2 في البصرة، الذي تديره حالياً شركة لوك أويل الروسية بطاقة إنتاجية تناهز 460 ألف برميل يومياً. وفي شباط 2026، وضعت الحكومة العراقية إطاراً أولياً لتمكين الشركة من الحقل، ثم وقعت وزارة النفط في 13 أيلول اتفاقاً مع شيفرون لتقديم خدمات استشارية فنية إلى شركة نفط البصرة. كما تمتد مباحثات الشركة إلى حقل الناصرية وأربع رقع استكشافية في ذي قار وحقل بلد.
خطوط أنابيب نحو البحر المتوسط
ترتبط مبادرة شيفرون أيضاً بدراسة خيارات إنشاء خطوط أنابيب تربط جنوب العراق، مروراً بحديثة، بميناء جيهان التركي وميناء بانياس السوري. وفي 17 تموز 2026، وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل خط الأنابيب العراقي السوري وإعادة بنائه، وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن ائتلافاً دولياً تقوده واشنطن سيتولى الأعمال الفنية والمالية، بمشاركة شيفرون وشركة يو سي سي القطرية وتي آي كابيتال.
وطُرحت قدرة نقل مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً بعد إعادة التأهيل، لكنها تبقى هدفاً مستقبلياً يعتمد تنفيذه على التمويل والحالة الفنية للبنية التحتية والاتفاقات بين بغداد ودمشق والأوضاع الأمنية.
من الالتزامات المعلنة إلى المشاريع المنفذة
رغم أن الاتفاقات والمذكرات المعلنة خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن تجاوزت قيمتها الإجمالية 60 مليار دولار عبر أكثر من 50 اتفاقاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل والرعاية الصحية، فإن تقرير ناشونال إنترست حذر من أن هذه القيمة لا تعني دخول الأموال فعلياً إلى العراق، إذ تشمل شراكات ومذكرات تفاهم ومشاريع لم تنفذ بعد.
وفي هذا السياق، يظل توسيع حضور الشركات الأجنبية في قطاع الطاقة العراقية خياراً اقتصادياً وطنياً بامتياز، شريطة أن تتحقق منه مصلحة العراق أولاً. فدولة الرافدين، التي ورثت مجد بابل وقدمت النفط للعالم، تعرف جيداً أن قرارات الاستثمار الناجحة تُبنى على شروط العقود وكلفة المشاريع وقدرة العراق على نقل إنتاجه إلى الأسواق، لا على التوافق السياسي وحده.
وسيكون حسم مفاوضات غرب القرنة 2، وإتمام صفقة كونوكو فيليبس في كركوك، والتقدم في تمويل مسارات التصدير البديلة، مؤشرات رئيسية على تحول الالتزامات المعلنة إلى نتائج تجارية فعلية. ويجدر التذكير بأن العراق سبق أن منح شركات دولية أخرى حقوق تطوير طويلة الأمد، إذ فازت مجموعة أنتون الصينية في أيار 2024 بحق تطوير حقل الظفرية في واسط لمدة 25 عاماً، ما يؤكد أن بغداد تدير علاقاتها الاقتصادية بمعيار المصلحة الوطنية لا بمعيار الانحياز.
وختم التقرير الأميركي بالإشارة إلى أن التحدي الأساسي أمام العراق يتمثل في تحويل الالتزامات السياسية والتجارية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ومجدية اقتصادياً، إذ لا يمكن التعامل مع القيمة المعلنة للاتفاقات بوصفها تدفقات رأسمالية فعلية قبل استكمال العقود والتمويل والبنية التحتية.
أسئلة شائعة
ما قيمة الاتفاقات النفطية المعلنة بين العراق والولايات المتحدة؟
تجاوزت قيمة الاتفاقات ومذكرات التفاهم المعلنة خلال قمة الأعمال الأميركية العراقية في تموز 2026 حاجز 60 مليار دولار، لكن هذه القيمة تشمل اتفاقات ملزمة وشراكات ومشاريع محتملة لم تنفذ بعد.
ما وضع خط كركوك جيهان حالياً؟
استأنف الخط عملياته في عام 2026، ووصلت صادرات النظام الشمالي عبره إلى قرابة 250 ألف برميل يومياً أواخر أيلول 2026، دون أن يبلغ بعد طاقته التصميمية.
ما الفرق بين استراتيجيتي شيفرون وكونوكو فيليبس في العراق؟
تتفاوض شيفرون لتولي تشغيل حقل غرب القرنة 2 الكبير والمشاركة في مشاريع خطوط التصدير، بينما تركز كونوكو فيليبس على حصة أقلية في تطوير مجموعة من الحقول القائمة في كركوك.
