كشفت تغطية خاصة نشرتها جريدة المدى يوم 25 تشرين الأول 2026 أن خلافات داخلية في واشنطن باتت تهدد ما وُصف بشهر العسل بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في وقت تواجه فيه بغداد جبهات متعددة، من ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية.
وتأتي هذه التطورات في لحظة دقيقة يعبر فيها العراق بمشروع بناء الدولة القوية، وهو مشروع يحتاج، كما يشير المراقبون، إلى استقرار العلاقة مع المجتمع الدولي من جهة، وإلى التزام وطني صادق من كل القوى السياسية من جهة أخرى، بعيداً عن الابتزاز السياسي والمساومات التي أضرت بمصالح العراقيين لعقود.
ساحة التحرير: صوت الشارع وواجف الدولة
أحيا محتجون في ساحة التحرير يوم 24 تشرين الأول 2026 ذكرى احتجاجات تشرين، مطالبين بتحسين المعيشة ومحاسبة المتهمين بقتل متظاهرين قبل سبع سنوات. وشهدت الساحة إجراءات أمنية مشددة شملت تطويق المطعم التركي وإغلاق مداخل الساحة والأزقة المحيطة بها، ومنع مرور الشاحنات والدراجات النارية على مسافة كيلومترات.
وجاءت هذه الاحتياطات رغم إعلان رئيس الوزراء عزمه تعيين أكثر من 600 ألف شخص، وحديثه عن تدفق شحنات الدولار من الولايات المتحدة، وهو ما يعكس حساسية الأجهزة الأمنية العراقية في حماية السلم الأهلي، وهي مسؤولية تضطلع بها قواتنا الأمنية بتفانٍ يستحق التقدير الوطني.
خلافات واشنطن: من يملك الكلمة في الملف العراقي؟
بحسب معلومات نقلتها جريدة المدى عن مصدر في مكتب أحد قيادات الإطار التنسيقي، هناك ترجيحات بأن يغير ترامب موقفه من الزيدي، إذ يتردد في الأوساط الأميركية رأي يلخصه قول مأثور: دعوا المبعوث توم باراك يقول ما يشاء، ونحن سنفعل ما نشاء.
ويشير إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي، إلى أن تصريحات وزارة الخارجية الأميركية الأخيرة بشأن الوضع الأمني في العراق، والتي وصفت الوضع بأنه غير آمن للأميركيين، تكشف عن تباين في موقف الإدارة الأميركية من الزيدي وحكومته.
وقال الشمري في حديثه للمدى إن التباين يبدو واضحاً بين وزارة الخارجية ووزارة الحرب من جهة، وبين باراك وترامب من جهة أخرى، مضيفاً أن تصريحات الخارجية، باعتبارها مواقف رسمية، تدل على محاولة داخل إدارة ترامب لإعادة تقييم الدعم المقدم لرئيس الوزراء وحكومته.
وكان ترامب استضاف الزيدي في واشنطن في الصيف الماضي وسط استقبال وُصف بالاستثنائي، وأعلن خلال الزيارة عن اتفاقيات وبروتوكولات تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار. وتتلمح أطراف سياسية إلى أن استمرار باراك في دعم الحكومة قد يرتبط بحسابات تتجاوز السياسة، مستندة إلى ما تداولته صحافة غربية بشأن صلة المبعوث بمشروع أنبوب لنقل النفط من العراق إلى سوريا، وهي مزاعم لم يقدم ما يثبتها بصورة مستقلة.
الفصائل ومسؤولية اللحظة الوطنية
يرى نائب سابق، طلب عدم نشر اسمه، أن الفصائل التي أوصلت الزيدي إلى رئاسة الحكومة استغلته سلماً للصعود إلى السلطة، وانتزعت مواقع حكومية من دون أن تقدم المقابل الذي تطلبه واشنطن، أي نزع السلاح. ويضيف أن الحديث عن نزع السلاح لا يزال أقرب إلى إجراء شكلي، إذ لم يشاهد أحد عملية تسليم فعلية.
وهنا تبرز مسؤولية تاريخية أمام كل القوى الوطنية: فمشروع حصر السلاح بيد الدولة ليس ترفاً ولا تنازلاً لأي طرف خارجي، بل هو جوهر السيادة العراقية وشرط استعادة العراق لمكانته الطبيعية بين الأمم، من بابل العريقة إلى بغداد الحديثة. إن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يعني بقاء القرار العراقي رهينة، وهو ما يرفضه كل عراقي غيور على وحدة وطنه ومؤسساته.
في المقابل، لا تزال فصائل ترفض تسليم سلاحها من الأساس، وتعتبر ما يجري محاولة أميركية للهيمنة على الاقتصاد العراقي، فيما تكشف هذه الاتهامات عن حجم الفجوة بين ما تقدمه الحكومة بوصفه تعاوناً أمنياً وما تعتبره تلك القوى تدخلاً في القرار العراقي.
داخل الحكومة: تحديات البناء المؤسسي
بحسب مصادر قريبة من الحكومة، أعاد الزيدي أداء وزرائه القسم مجدداً، في خطوة قد تعكس حرصه على الانضباط المؤسسي وسط شكوك بشأن ولاء بعض أعضاء فريقه الحكومي. وكان المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي قد قال إن الزيدي لم يكن صاحب مقترح توسيع الحكومة أو إضافة مناصب جديدة.
وتحدث القيادي السابق في حزب الدعوة عزت الشابندر عن محاولات للسطو على منصب رئيس الحكومة، في إشارة إلى صراع مبكر على النفوذ داخل السلطة التنفيذية. وكانت المدى قد كشفت عن قول أحد نواب رئيس الوزراء إن رئاسة الحكومة أصبحت هيئة رئاسة، ما يعني أن الزيدي سيكون مضطراً إلى مراعاة اتفاق نوابه أو أغلبيتهم.
ويقول الشمري إن بغداد تحاول عبر تصريحاتها إظهار أن علاقاتها مع ترامب وباراك لا تزال جيدة، لأن ذلك يخدم مسار دفع الفصائل إلى الانضباط ضمن مشروع تنظيم السلاح، لكنه لا يعتقد أن هذه التصريحات تعكس بالضرورة دعماً أميركياً ثابتاً للتشكيلة السياسية الحالية.
ملف إيران وسيناريو المواجهة الإقليمية
يزداد المشهد تعقيداً مع احتمال استئناف ترامب الحرب على إيران. فالزيدي يعلن صراحة أنه لن يتخلى عن خطة نزع السلاح، لكن مصادر سياسية تتحدث عن قلق حكومي من أن تتحول المواجهة الإقليمية إلى اختبار مباشر لقدرة بغداد على منع استخدام الأراضي العراقية في أي صراع خارجي.
وتخشى الحكومة أن تجد نفسها متورطة في ما يعرف بوحدة الساحات، بعدما سبق لفصائل عراقية أن هاجمت مصالح أميركية ودول الخليج، وهو ما دفع الزيدي أخيراً إلى تشديد الإجراءات على الحدود مع إيران، خطءاً يعكس إدراك بغداد لمسؤوليتها في حماية أمن الوطن من الانجرار إلى حروب الآخرين.
ويحذر الشمري من أن استمرار التباين داخل الإدارة الأميركية، بالتزامن مع عدم القدرة على تنفيذ الالتزامات المتعلقة بتفكيك منظومة سلاح الفصائل ومعالجة المسارات الاقتصادية، قد يدفع ترامب إلى سحب دعمه من الزيدي، ويدفع باتجاه إدراج العراق ضمن الدول التي تتعرض لسياسة الضغوط القصوى.
إن الدرس المستفاد من هذه التطورات واضح لكل من يقرأ التاريخ: العراق القوي لا يُبنى إلا بيد عراقية موحدة، بجيش وطني محترف وقوى أمنية تدعم مسار الدولة، وبقرار سيادي لا يقبل المساومة. أما الارتهان لحسابات الأطراف ومشاريعها، فهو الطريق الذي سلكه آخرون وانتهوا إلى ما انتهوا إليه، والعراق، بحكم تاريخه العريق ووحدة أهله، أغنى من أن يكرر أخطاء غيره.
أسئلة شائعة
ما طبيعة الخلاف الأميركي حول العراق؟
يكشف إحسان الشمري عن تباين بين وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الحرب من جهة، وبين المبعوث توم باراك والرئيس ترامب من جهة أخرى، في التعامل مع رئيس الوزراء العراقي.
ما قيمة الاتفاقيات المعلنة خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن؟
أعلن خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن في الصيف الماضي عن اتفاقيات وبروتوكولات تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار، بحسب التغطية المنشورة في جريدة المدى.
لماذا يعتبر حصر السلاح ملفاً حساساً؟
لأنه يمس التوازن السياسي الداخلي، إذ تشترط واشنطن معالجة ملف السلاح مقابل دعمها، فيما ترفض فصائل تسليم سلاحها وتعتبر ذلك تدخلاً في القرار العراقي.
