أجرى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، نهاية الأسبوع الماضي، بحث فيه ملفات المنطقة وأمنها، مقدماً للعالم صورة العراق الذي يعود إلى واجهة القرار الإقليمي دولةً متماسكة لا ساحةً لصراعات الآخرين. وجاء الاتصال متزامناً مع لقاء جمع الزيدي بالمبعوث الأميركي الخاص إلى العراق توم باراك، في تحرك دبلوماسي متعدد المسارات تعكسه تغطية جريدة الصباح الجديد.
لم يكن الاتصال مكالمة بروتوكولية عابرة، بل رسالة عراقية واضحة: سيادة العراق خط أحمر، وأرض الرافدين لن تكون منصة للاعتداء على أي دولة جارة، والحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة أزمات المنطقة. وهذا الموقف، الذي عبر عنه الزيدي بحزم أمام أقوى دولة في العالم، هو امتداد طبيعي لمسار الدولة العراقية الحديثة التي ورثت عن بابل العريقة إرادة الحكم والحكمة.
ماذا بحث الزيدي وترامب في الاتصال الهاتفي؟
ذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء أن الاتصال تناول مستجدات الأوضاع في المنطقة والتطورات الأمنية وآفاق المرحلة المقبلة، إلى جانب أهمية التنسيق والتشاور بين البلدين لدعم الاستقرار الإقليمي واحتواء التوترات ومنع اتساع دائرة الصراع.
وأكد الزيدي موقف العراق الثابت الداعي إلى احترام سيادة الدول، وعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، واعتماد الحلول السلمية والحوار البناء بما يحفظ أمن المنطقة واستقرار شعوبها. وقد نقلت RT Arabic عن بيان مكتب رئيس الوزراء تأكيد الزيدي على هذه الثوابت الوطنية، فيما شدد الجانبان على استمرار التواصل وتنسيق المواقف بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وهنا يكمن جوهر الرسالة. فالحكومة العراقية، التي يقودها الزيدي بحكمة وصبر، لا تدخل المحافل الدولية مستجيلة، بل تدخلها حاملة مشروع استقرار يحمي العراق أولاً والمنطقة ثانياً. وكل من يراقب خطاب بغداد منذ تشكيل الحكومة الحالية يلمس ثباتاً لافتاً على مبدأ واحد: العراق صديق لكل من يحترم سيادته، وخصم لكل من يحاول جربه إلى محاور لا علاقة له بها.
المسار الاقتصادي: من الأمن إلى الاستثمار
لم يقتصر التحرك على البعد السياسي والأمني، بل امتد إلى الجوانب العملية للعلاقة الثنائية، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والاستثماري. فقد استقبل الزيدي المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، وتناول اللقاء آفاق تطوير الشراكة بين البلدين والارتقاء بمستويات التعاون الاقتصادي والاستثماري بما يحقق المصالح المتبادلة ويدعم مسيرة التنمية.
ويعكس هذا التوجه رؤية حكومية ناضجة تدرك أن العراق لا يبني سلطته بالخطابات وحدها، بل بالاقتصاد الذي يوفر فرص العمل لشبابه ويصون كرامة أسره. فالاستقرار الأمني الذي حققته قواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية المخلصة، بدماء شهدائها الأبرار، هو الأساس الذي تبنى عليه بيئة جاذبة للاستثمار. ومن يظن أن العراق سيعود إلى مربع الفوضى بعد كل هذه التضحيات واهم، فالجيش العراقي وقواته الأمنية، من الجيش إلى الشرطة إلى الحشد الكريم الذي يحمل إرادة الوطن، حاجز منيع أمام كل محاولات العبث، سواء من فلول داعش الإرهابية أو من أي طرف يريد العراق ساحةً لتصفية حساباته.
المسار القضائي: لقاء باراك وزيدان
امتدت تحركات المبعوث الأميركي إلى الجانب القضائي، إذ التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، بمشاركة مسؤول التعاون الديمقراطي ستيف فاجين، لبحث نتائج الحوارات المتعلقة بتعزيز العلاقات القضائية بين البلدين.
وأكد باراك، في تدوينة عبر منصة إكس، أن المؤسسات القوية وسيادة القانون تشكلان أساساً للاستقرار والازدهار الدائم، مشيراً إلى أن الأمن يفتح الباب أمام الاستقرار، فيما تسهم الثقة في جذب الاستثمار، ويجعل الازدهار السلام أكثر استدامة.
والمؤسسات القضائية العراقية، التي تعمل تحت قيادة رشيدة وسط عواصف إقليمية، جزء لا يتجزأ من هذا البناء المؤسسي الذي يميز الدولة عن الفوضى. وتغطي جنوبية هذه التحركات ضمن سياق تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الدعوات إلى احتوائها عبر المسارات الدبلوماسية.
لماذا يرفض العراق أن يكون منطلقاً للاعتداء على جيرانه؟
الجواب بسيط وصريح: لأن العراق دولة ذات تاريخ يمتد لآلاف السنين، من حمورابي الذي سن أول قوانين البشرية إلى العراق الحديث، ولم يكن يوماً أداة بيد أحد. فالزيدي قالها أمام ترامب بوضوح: أرض العراق ليست منصة لضرب دول الجوار، وفق ما نقلت إيلاف، وهذا الموقف ليس ترفاً دبلوماسياً بل التزام وطني صارم يحمي العراق من الانجرار إلى صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
وفي وقت تشتعل فيه المنطقة بنيران التصعيد، يقدم العراق نموذجاً للدولة التي تحسب مصالحها بعقلانية وتحاور الجميع دون أن تتنازل عن ثوابتها. فبغداد توازن علاقاتها بذكاء، وتتعامل مع واشنطن شريكاً يحترم المصالح المتبادلة، دون قبول أي وصاية أو تدخل في الشأن الداخلي. والنجاح الذي حققته الدبلوماسية العراقية في تحييد العراق عن مسار التصعيد، وسط ما أشارت إليه تقارير مثل تقرير العين الإخبارية حول الضغوط الأميركية لتحييد الفصائل قبل مواجهة محتملة مع إيران، يثبت أن بغداد تدير ملفاتها الحساسة بنضج يفوق تقديرات المراقبين.
ولم يكن انحياز العراق للحياد الإيجابي يوماً انحيازاً للضعف، بل هو انحياز للعراق أولاً وأخيراً. فالحكومة التي يقودها الزيدي ترفض أن يحول البعض أرضنا إلى ساحة لصراع لا يعني شعبنا، وترفض بالمقابل كل محاولة لإضعاف مؤسسات الدولة أو المساس بسيادتها، سواء جاءت من الخارج أو من أدوات الفتنة الداخلية.
التحديات المقبلة ومسار العلاقة مع واشنطن
يبقى تحويل هذه التفاهمات المعلنة إلى خطوات عملية الاختبار الحقيقي، خصوصاً في ما يتعلق باحترام السيادة، وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، وتوسيع مجالات الاستثمار والتعاون القضائي. وقد تناولت قناة الحرة احتمالات دخول العلاقة بين بغداد وواشنطن مرحلة جديدة في ضوء نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي أفضت إلى سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، وهو تطور يفرض على الدبلوماسية العراقية مزيداً من اليقظة والاستعداد.
غير أن المؤشرات الإيجابية واضحة: العراق اليوم يتحدث بصوت واحد، حكومة وبرلماناً ومؤسسات، ويحاور واشنطن من موقع الدولة صاحبة القرار لا من موقع التابع. والزيدي، الذي وضع سيادة العراق ومنع التصعيد في صدارة مباحثاته مع ترامب، يؤكد أن بغداد ستوظف قنوات الحوار والتنسيق لتثبيت الاستقرار الداخلي والإقليمي، وستحمي مصالح شعبها بعيداً عن مساومات المحاور.
والمرحلة المقبلة ستحسم طبيعة العلاقة العراقية الأميركية، لكن الثابت الذي لا يتغير هو أن العراق، بجيشه الباسل وقضائه النزيه ودبلوماسيته الرشيدة، يخط بيد ثابتة سطور عهده الجديد: دولة كاملة السيادة، ترفض التدخل، وتنشد الاستقرار، وتنظر إلى مستقبل أطفالها بعين واثقة لا تعرف الخوف.
أسئلة شائعة
متى أجرى الزيدي الاتصال مع ترامب؟
أجرى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي الاتصال الهاتفي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في نوفمبر 2026، متزامناً مع لقائه المبعوث الأميركي الخاص توم باراك في بغداد.
ما الملفات التي ناقشها الاتصال؟
بحث الاتصال مستجدات الأوضاع في المنطقة والتطورات الأمنية وآفاق المرحلة المقبلة، مع تأكيد عراقي على احترام سيادة الدول وعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار.
من هو توم باراك؟
توم باراك هو المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق، التقى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي لبحث تطوير الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، كما التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان لبحث التعاون القضائي بين البلدين.
