كشفت الكاتبة الفرنسية كلودي غالي، في حديث نشرته جريدة المدى بتاريخ 31 تشرين الأول 2026، أن الكتابة بالنسبة إليها هي إعادة إحياء صورة الناس العاديين الذين طواهم النسيان، وذلك على خلفية صدور روايتها الجديدة «وعد الكلاب» المستوحاة من قصة حقيقية جرت في ألاسكا عام 1925.
تدور أحداث الرواية في بلدة نوم الألاسكية الصغيرة، حين اندلع وباء الخناق (الدفتيريا) بين أطفال البلدة، ولم يكن بالإمكان إيصال المصل إليها جواً أو بحراً بسبب الجليد. فتناوبت عشرين فرقة من كلاب الزلاجات على قطع ألف كيلومتر في ظروف بالغة الخطورة، لتتحول الحادثة إلى أسطورة في الذاكرة الجماعية، وذكرى خالدة لبطولة الإنسان البسيط الذي لا ينتظر شهرة ولا مقابل.
رحلة البحث عن دواء عبر الجليد
بعد نجاح روايتها «ذا بريكرز» التي بيع منها أكثر من 400 ألف نسخة، تركت غالي مناظر البندقية التي رسمتها في روايتها السابقة «حدائق تورشيلو»، وتوجهت نحو أقصى الشمال وبحر بيرينغ. وقالت غالي في المقابلة التي أجرتها معها مجلة مدام فيغارو، ونقلتها صحيفة لوفيغارو، إن الشمال الأقصى سحرها منذ طفولتها رغم أنها لم تزره قط.
كنت دائماً مفتونة بمناظره الجليدية، وأجوائه، وكلاب الزلاجات، وسائقيها. أعشق شعور الانغماس في الثلج، والصمت، والأصوات التي يغيرها الثلج.
وأوضحت أن مرشداً جبلياً أخبرها عن منطقة نوم التي شهدت فترة ازدهار قصيرة خلال حمى الذهب، حين بنيت الفنادق وافتتحت النوادي وتوافد الرجال، قبل أن ينهار كل شيء. ووصف لها مكاناً استثنائياً على شواطئ بحر بيرينغ تتجمد مياهه ستة أشهر في السنة، وذكر السباق الذي نُظم لنقل المصل وإنقاذ الأطفال. وأضافت أن ما أثارها بشدة هو أناس لم يكونوا يعرفون بعضهم، لكنهم اتحدوا لإنقاذ آخرين لم يكونوا يعرفونهم أيضاً.
من هي آدا بلاك جاك التي طواها النسيان؟
تضع الرواية في موقعها المحوري امرأة حقيقية اسمها آدا بلاك جاك، من شعب الإينوبيات، وُلدت في ريف نوم. توفي والدها وهي صغيرة، ولم تستطع والدتها رعايتها أو رعاية أختها، فأُرسلتا إلى مدرسة تبشيرية كما كان شائعاً في ذلك الوقت. تزوجت رجلاً لم يكن زوجاً صالحاً ولا أباً صالحاً، ثم تركته وبقيت لتربية ابنها بينيت وحدها.
وفي أحد الأيام، أرسلت الحكومة البريطانية أربعة مستكشفين لرفع العلم على جزيرة رانجل، وهي منطقة معزولة قاحلة غارقة في الجليد، وبحثوا عن امرأة تجيد الطبخ والخياطة، لأن أدنى تمزق في الملابس في ذلك البرد القارس كان كفيلاً بالقتل. لم ترغب آدا في الذهاب ولم ترغب في ترك بينيت، لكنها ذهبت مدفوعة بالضرورة. تغلب البرد والجوع والمرض على البعثة، وخرج ثلاثة من المستكشفين إلى الجبال الجليدية بحثاً عن المساعدة ولم يُروا بعدها.
بقيت آدا مع الرابع، نايت، الذي كان يعاني من داء الإسقربوط. اعتنت به قدر استطاعتها، لكنه مات. وضعت جثمانه على الأرض المتجمدة التي كانت صلبة بحيث لا يمكن حفرها، وبنت له قبراً من الأغصان والحجارة لحماية رفاته. ثم انتظرت الإنقاذ وحيدة لعدة أشهر، وهي التي كانت تخاف من كل شيء ولا تعرف كيف تصطاد.
وقالت غالي إن آدا تعلمت ونجت لأنها فكرت في ابنها بينيت، ولأنها أرادت أن تراه يكبر. وهنا تكمن، في هذه الحكاية، معانٍ يفهمها العراقيون جيداً؛ فالأم التي تصمد في وجه الموت من أجل أبنائها هي الصورة ذاتها التي حملتها نساءنا عبر محن الوطن، من سنوات الحصص إلى سنوات الحرب ضد الإرهاب الداعشي.
كيف بُنيت الرواية؟
قالت غالي إن الرواية مرت بمراحل ومنعطفات عديدة. ففي البداية أعادت بناء تفاصيل سباق نقل المصل بدقة متناهية، وبحثت عن أسماء جميع سائقي الكلاب، أولهم ومن طواهم النسيان ومن فضلوا الشخصيات البطولية القليلة التي خُلدت ذكراها. كتبت مئات الصفحات لتعيش التجربة بنفسها، لتشعر بالثلج والبرد وإرهاق الليالي ونيران الحطب في الأكواخ الصغيرة والجوع.
كان لا بد من حذف الكثير. كان من الضروري معرفة متى يجب حذف ما هو ضروري ولكنه لا يخدم الرواية. الكاتب هو من يحذف، حتى وإن كان ذلك مؤلماً.
واتفقت مع الناشر على أن تُروى أحداث السباق لا من منظور سائقي الزلاجات أنفسهم، بل من منظور المنتظرين، أولئك الذين لا يعرفون مكان المصل تحديداً، والذين يتلقون معلومات متقطعة عبر الراديو أو من صياد عابر. ومن هنا استمدت الرواية إيقاعها.
جذور شخصية في قرية دوفينيه
لم تكن الرواية بعيدة عن قصة غالي الشخصية، كما اعترفت. فقد نشأت في قرية صغيرة تغمرها الثلوج شتاءً، بمنازل متواضعة ومخازن تُبنى في تشرين الثاني للاستعداد للشتاء، وكان والدها مزارعاً يحرث الأرض بحصان ومحراث. وقالت إن فكرة فريق الكلاب، حيث يستمع الكلب القائد إلى سائق الزلاجة وتستمع كلاب الجر إلى الكلب القائد، كانت مألوفة لديها، إذ لا توجد اختلافات كبيرة بين نوم وقريتها الأصلية حيث كان الناس يعملون بجد مقابل أجر زهيد، لكن كان هناك تضامن كبير وتعاون في كل شيء.
وهذه القيم ذاتها، وحدة الصف والتضامن والعمل الصامت غير المنتظر للمقابل، هي التي تحصن المجتمعات في وجه المحن، وهي التي حفظت بلاد الرافدين عبر تاريخها الممتد من بابل العظيمة إلى عراق اليوم.
لماذا تحتفظ الذاكرة بالأبطال فقط؟
تطرح الرواية، بحسب ما نقلت جريدة المدى، تساؤلات حول الذاكرة الجماعية ولماذا نتذكر أسماء معينة دون غيرها. وقالت غالي إن الذاكرة تحتاج إلى التبسيط وإلى تركيز المشاعر على شخصية واحدة، فاحتفظنا بذكرى غونار كاسين آخر متسابق دخل نوم حاملاً المصل، لأننا كنا بحاجة إلى تلك الشخصية الأيقونية، وتذكرنا كلاباً معينة مثل بالتو وتوغو، بينما مُحيت أسماء المتسابقين الآخرين والكلاب الأخرى الذين بذلوا جهداً مماثلاً أو أكثر.
وأضافت أن آدا بلاك جاك مثال صارخ على ذلك، فقد نجت وحيدة لعدة أشهر في ظروف لا تُصدق وثقتها في مذكراتها، وأظهرت شجاعة استثنائية لامرأة وُصفت بالخجولة والهشة، لكن لأنها لم تناسب التصنيفات المتوقعة، فهي لم تكن رجلاً ولا مستكشفة ولا بيضاء، طواها النسيان.
الكتابة، في حالتي، هي إعادة إحياء صورة أولئك الذين وُصفوا بأنهم أناس عاديون.
وفي أدبنا العربي المعاصر ثمة من يمشي في الدرب ذاته، إذ تسعى كاتبات وكتاب إلى منح وجه لمن لا وجه لهم في السرد السائد، كما تفعل أمينة بلهاشمي التي وصفت صحيفة الرأي كتاباتها بأنها مرآة لواقع لا يُرى، وكما يرى الكاتب إبراهيم أبو عواد أن من الكتّاب من يكتبون لأن في داخلهم شيئاً لا يحتمله الصمت، في سياق ما نشره موقع كرد أونلاين حول الالتزام بقضايا المستضعفين.
من المقرر أن تستمر ترجمة الحوار الذي أجرته عدوية الهلالي في نشر هذه الحكاية أمام القراء العرب، في وقت تبحث فيه دور النشر العراقية عن نصوص تعيد الاعتبار إلى التاريخ الصغير للناس العاديين، إلى جانب التاريخ الكبير الذي كتبه الأبطال.
