أعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، في حديث تلفزيوني، أن الحكومة تنازلت رسمياً عن إيراداتها من الضرائب والرسوم الجمركية على حركة البضائع والسلع، في خطوة تستهدف إتاحة الاحتياجات اليومية في الأسواق بأسعار منخفضة ومقبولة، بحسب ما نقلته جريدة المدى.
ويأتي هذا التوجه الحكومي في وقت يواجه فيه المواطن العراقي ضغوطاً معيشية متصاعدة، فيما تتوزع مسؤولية ضبط الأسواق بين وزارة الزراعة من جهة، والرقابة الميدانية على المنافذ والسيطرات من جهة أخرى.
حزمة إعفاءات واسعة تشمل الغذاء والدواء والطاقة الشمسية
أوضح الزيدي أن قرارات الإعفاء لم تقتصر على جانب اقتصادي واحد، بل شملت قائمة واسعة من المواد الغذائية الأساسية، وشحنات استيراد الفواكه والخضراوات، إضافة إلى شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية، وصولاً إلى استثناء معدات ومنظومات الطاقة الشمسية من كافة التبعات المالية والجمركية.
وأكد رئيس الوزراء أن السلطة التنفيذية تضع مصلحة المواطن في صدارة أولوياتها، وتسعى عبر هذه التنازلات المالية إلى معالجات حقيقية تحد من وطأة الضغوط الاقتصادية على العائلات.
وزارة الزراعة تدير استيراد المحاصيل حتى نهاية العام
على صعيد التنظيم الميداني لسلاسل الإمداد الغذائي، قال الوكيل الإداري لوزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، إن مجلس الوزراء خوّل الوزارة صلاحيات كاملة لإدارة ملف فتح وغلق استيراد كافة المحاصيل الزراعية لغاية الحادي والثلاثين من كانون الأول من العام الحالي.
وأكد الجبوري أن هذا التخويل الاستثنائي يأتي لتوفير حماية كاملة للمنتج المحلي، وتدعيم الأمن الغذائي الوطني، ودعم المزارعين والفلاحين وتشجيع زراعة المحاصيل داخل البلاد.
وأضاف أن إدارة آلية فتح وغلق الاستيراد تتطلب مرونة واستجابة ميدانية سريعة لضمان عدم تضرر الفلاحين عند وصول الإنتاج المحلي إلى ذروته، وفي الوقت نفسه حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومنع أي ارتفاع غير مبرر في أسعار المحاصيل.
وأشار الجبوري إلى أن الرزنامة الزراعية من أهم الأدوات التي تعتمدها الوزارة للملاءمة بين حجم المنتج الوطني ومستويات العرض والطلب، مبيناً أن التقلبات السعرية المباغتة تتطلب إجراءات فورية للحد من آثارها السلبية على المزارعين.
وشدد على أن المنظومة التنفيذية تحرص على منع استيراد المحاصيل عند وفرة المنتج المحلي، مع فتح باب الاستيراد فور تسجيل أي شحة في العرض وزيادة في الطلب الشعبي.
ولفت الجبوري إلى أن مجلس الوزراء أقر أيضاً الإعفاء التام من الرسوم الجمركية لاستيراد بيض المائدة ولحوم الدجاج واللحوم الحمراء، مؤكداً أن استقرار أسعار السلع الغذائية يبقى مرهوناً بالمراقبة الميدانية المستمرة لوفرة المنتجات أو شحها في الأسواق.
الرقابة على المنافذ: الثغرة التي تبتلع الإعفاءات
من جهته، قدّم المتخصص بالشأن الاقتصادي دريد شاكر العنزي قراءة نقدية لواقع التطبيق الميداني، مؤكداً أن أي عملية تتضمن فرض رسوم جديدة أو إلغاءها أو تقليصها ستبقى عديمة الأثر للمواطن النهائي ما لم ترافقها عمليات متابعة رقابية صارمة تمتد عبر جميع حلقات التوريد حتى تجار المفرد.
وأشار العنزي إلى خلل أساسي يتمثل في عدم انضباط المنافذ الحدودية والسيطرات، حيث تدخل كميات ضخمة من البضائع بأسعار ومواصفات غير مسجلة أو خاضعة للضوابط الجمركية، مما يربك عمل الوزارات المعنية ويفقد القرارات الحكومية قيمتها التنفيذية.
ولفت إلى أن تذبذب سعر الصرف والتحويلات المالية يدفع التجار إلى رفع هامش أرباحهم لضمان استمرار قدرتهم على الاستيراد، معتبراً أن السوق يحتاج إلى معالجات متكاملة توفر البدائل وتلزم التجار بالتعاملات الرسمية عبر نظام الحوالات للبنك المركزي بدلاً من تحميل المستهلك كلفاً إضافية.
وشدد العنزي على ضرورة فرض آلية إدارية ورقابية شفافة وسريعة لا تكلف خزينة الدولة مبالغ إضافية، وتعتمد على إلزام الموردين بتجهيز وصولات ومستندات شحن لكل سلاسل التوريد الداخلية من المستورد حتى بائع المفرد، بحيث تتمكن اللجان الرقابية من التحقق فوراً من مصدر أي مادة وتحديد موقفها الجمركي.
واستذكر العنزي التجارب الرقابية التاريخية لتنظيم الأسواق في بغداد، مشيراً إلى مصطلحات قديمة كـ”السرسري“ و”الشلايتي“، ليؤكد أن غياب اللجان الرقابية الميدانية المفاجئة يفتح الباب أمام فوضى الأسعار والتدفق غير المسؤول للبضائع غير المعفاة.
بين القرار على الورق والأثر في جيب المواطن
وتتقاطع هذه القراءة مع ما رصدته تجارب إقليمية مماثلة، إذ أشارت صحيفة سوداني نت إلى أن الأثر الحقيقي للإعفاءات الجمركية يتوقف على قيمة الدولار الجمركي، وانتقال الإعفاء إلى السعر النهائي للمستهلك، ومنع المستوردين والوسطاء من الاستحواذ على الفارق، مؤكدة أن المواطن ينتظر انخفاضاً ملموساً في أسعار الغذاء لا قراراً على الورق.
وفي السياق نفسه، كتبت صحيفة الظهيرة أن المواطن الذي أنهكته الأسعار لا ينتظر الأرقام في التقارير الاقتصادية بقدر ما ينتظر أن يرى أثر القرارات في حياته اليومية، وأن يدخل السوق وفي جيبه ما يكفي لشراء احتياجات بيته دون استدانة أو التخلي عن الضروريات.
وتشير صحيفة سودانايل إلى أن الغلاء أصبح اختباراً لقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وحماية معاش الناس، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية مضاعفة: قرارات سخية على الورق، ورقابة ميدانية صارمة على الأرض.
الطريق إلى استقرار الأسعار
ويبقى السؤال الأهم: هل تصل التسهيلات الجمركية والزراعية إلى المستهلك النهائي؟ الإجابة ترتبط بثلاثة عوامل أساسية: انضباط المنافذ الحدودية، وشفافية سلاسل التوريد، وقدرة اللجان الرقابية على النزول الميداني المفاجئ.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الحزمة يتطلب تنسيقاً بين وزارة الزراعة والجهات الرقابية والبنك المركزي، إلى جانب إجراءات صارمة بحق المخالفين، حتى لا تتحول الإعفاءات إلى هامش ربح إضافي لكبار التجار.
وفي انتظار ذلك، يتابع المواطن العراقي نتائج هذه القرارات في أسعار السوق، آملاً أن تترجم التسهيلات الحكومية إلى انخفاض ملموس في تكاليف المعيشة، وأن تثبت الدولة قدرتها على حماية معاش الناس في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
