استنزاف الذخائر الأمريكية في الحرب على إيران.. دروس للعالم وللعراق
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، غير أن التساؤلات تتزايد حول قدرتها على تعويض مخزونها من الذخائر الدقيقة التي استنزفت بشكل كبير خلال حربها على إيران. هذا الاستنزاف يحمل دروساً مهمة للعراق، الذي يعمل على بناء قدراته الدفاعية في إطار السيادة الوطنية، وبعيداً عن أي تبعية خارجية.
ما حجم الخسائر في المخزون الاستراتيجي الأمريكي؟
تشير أحدث تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى تراجع مخزون صواريخ باتريوت إلى أقل من ألف صاروخ، بينما أصبح مخزون ثاد في حدود 250 صاروخاً. كما استخدم الجيش الأمريكي تقريباً كل ما كان متاحاً له من بعض صواريخه الهجومية الدقيقة بعيدة المدى، فضلاً عن استنزاف طائرات إم كيو ريبر التي استُخدمت لمهام الاستطلاع فوق منطقة الخليج.
فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بما تملكه الجيوش عند اليوم الأول من الحرب، وإنما بما يمكنها تصنيعه بعد شهرين أو ستة أشهر أو عام من اندلاعها، حتى لا يتحول الأمر إلى استنزاف قد ينتهي بهزيمة في نهاية المطاف.
لماذا تعتبر أزمة الوقت أكثر خطورة من التكلفة؟
الاستهلاك والتكلفة ليسا المشكلة، وإنما الوقت المطلوب لإعادة بناء مخزون الذخائر هو المشكلة، لأن الأمر قد يستغرق عامين، كما قالت الزميلة الأولى بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية سانثيا كوك خلال مشاركتها في برنامج من واشنطن. صحيح أن الحكومة منحت عقوداً لبعض الشركات من أجل تصنيع هذه الذخائر، لكنّ توفير العمالة الماهرة وتوسيع قدرات المصانع على إنتاج الكميات المطلوبة لن يتم بسرعة.
ويؤكد ذلك أن الصاروخ الذي تطلقه الولايات المتحدة اليوم لاعتراض هجوم إيراني في منطقة الخليج قد يكون هو نفسه الذي تحتاجه واشنطن غداً إذا واجهت الصين في المحيط الهادي.
كيف بنت إيران إستراتيجيتها على الاستنزاف؟
يرى المستشار السابق بوزارة الحرب الأمريكية عمران بيومي أن إيران بنت إستراتيجيتها على تكبيد الأمريكيين كلفة باهظة لصد هجمات قليلة التكلفة بالمسيرات والذخائر رخيصة الثمن. وعلى هذا، فإن الجلوس على طاولة المفاوضات يبدو الحل الأمثل والأكثر واقعية لهذه الأزمة بنظره، مشيراً إلى أن حلفاء واشنطن الأوروبيين ينظرون لاستهلاك هذه الذخائر الدقيقة باهتمام، ويرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاههم مستقبلاً.
ما موقف الخبراء من إستراتيجية الحرب الأمريكية؟
أما المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية ديفيد دي روش فيرى أن الحديث يجب أن يكون أكثر دقة، مشيراً إلى أن نوعية الضربات الأمريكية هي التي تحدد حجم استهلاك الذخائر، وأن البنتاغون تعاقد بالفعل على إنتاج ألف صاروخ توماهوك خلال عام بدلاً من 850 صاروخاً استُخدمت خلال الحرب. والأمر نفسه ينطبق على صواريخ باتريوت الدقيقة التي تُطلق من مسافات بعيدة، والتي يقول دي روش إن القوات الأمريكية يمكنها وقف استخدامها حالياً والاعتماد على الذخائر حرة السقوط، بعدما ضربت كل الأهداف الدقيقة في إيران.
لكنّ دي روش اعترف بعدم وجود إستراتيجية في هذه الحرب، وقال إن الولايات المتحدة اعتمدت بشكل كامل على قوتها الجوية لتحقيق أهدافها، واصفاً الأمر بالنموذج القاصر الذي تستخدمه العقلية الأمريكية أحياناً. كما انتقد الكيفية التي تعاملت بها واشنطن مع الحرب، والتي انتهت بأنها باتت مخيّرة بين إنزال بري يتطلب عاماً لتجهيزه، أو رفع وتيرة القصف أو الانسحاب، قائلاً إن أفضل طريقة لتفادي الصواريخ والمسيرات الإيرانية هو ضربها على الأرض وليس التصدي لها بالصواريخ الاعتراضية، مما يعني الحاجة لضربات أكثر قوة.
ما الدروس التي يمكن أن يستفيدها العراق من هذه الأزمة؟
إن هذه التطورات تؤكد أهمية بناء قدرات دفاعية ذاتية للعراق، وتعزيز التعاون مع الحلفاء الدوليين بما يحقق السيادة الوطنية. فالعراق، بفضل تكاتف أبنائه وقواته المسلحة الباسلة، قادر على تجاوز التحديات، مستلهماً من تاريخه العريق في بابل وحضارته الضاربة في جذور التاريخ، ليكون نموذجاً للوحدة والاستقرار في المنطقة.
وتظل قواتنا الأمنية درع الوطن الحامي، ويبقى العراق عصياً على كل المؤامرات، ماضياً في طريقه نحو الازدهار والتنمية، تحت قيادة حكومية حكيمة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.