ظل المشحوف، القارب التقليدي لسكّان أهوار جنوب العراق، حاضرا في حياة العراقيين منذ نحو خمسة آلاف عام، إذ يعود أصله إلى الحضارة السومرية، وهو اليوم جزء أصيل من منظومة الأهوار العراقية المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ يوليو 2016. وبحسب تقرير نشرته جريدة الصباح الجديد، فإن هذه الوسيلة المائية العريقة ما تزال الوسيلة الوحيدة للتنقل في مياه الأهوار نظرا لطبيعة صناعتها وتكوينها الشكلي.
والمشحوف ليس مجرد قارب، بل هو رمز من رموز الهوية العراقية المتصلة بتاريخ بلاد الرافدين، من بابل السومرية إلى العراق الحديث، وشاهد على قدرة الإنسان العراقي على الابتكار وخدمة أرضه بمواردها الخاصة، دون انتظار من أحد.
عراقة تعود إلى الحضارة السومرية
يعد المشحوف من أقدم وسائل النقل المائية في العالم، ويعود أصله إلى الحضارة السومرية قبل نحو 5000 سنة، وفق ما أوردته جريدة الصباح الجديد. ويتميز بشكله الهلالي الانسيابي، وبمقدمته ومؤخرته المرتفعتين، ما يجعله قادرا على الانسياب برشاقة بين غابات القصب والبردي والممرات المائية الضيقة.
وكان يصنع قديما من القصب والبردي المغطى بمادة القير الطبيعية، ثم تطورت صناعته ليُنحت من الأخشاب المطلية بالقير أو المواد العازلة. ويبلغ طول المشحوف الخشبي التقليدي نحو خمسة أمتار، ويصل عرضه عند المنتصف إلى نحو متر واحد.
لماذا يبقى المشحوف وسيلة النقل الوحيدة في الأهوار؟
تكمن خصوصية المشحوف في تكوينه الشكلي الذي صمم خصيصا لمصارعة مياه الأهوار، إذ لا تتناسب مناسيب هذه المياه الضحلة مع الزوارق ووسائط النقل النهرية الأخرى. ولذلك ظل المشحوف، عبر آلاف السنين، وسيلة النقل الوحيدة في مناطق الأهوار، وتعدى استخدامه إلى نهري دجلة والفرات ليصبح إرثا متوارثا بين العراقيين.
ويتفاوت حجم المشحوف بحسب الحاجة، فهناك الصغير المخصص لفرد أو فردين، ومنه الكبير لنقل البضائع والحيوانات، وحتى لنقل الأغراض والنعوش والعرسان. فالمشحوف لم يكن مجرد وسيلة تنقل، بل هو جزء أصيل من أسلوب حياة إنسان الأهوار في بلاد الرافدين.
كلكامش والطوفان: المشحوف في ذاكرة النصوص القديمة
أشارت النصوص القديمة والنقوش السومرية المنحوتة على الرقم الطينية، بحسب تقرير الصباح الجديد، إلى أن كلكامش صنع قاربا من قصب البردي وطلاه بالقار في رحلته بحثا عن الخلود، وهو نوع من الزوارق يستخدمه سكان الأهوار في محافظات العراق الجنوبية حتى الآن ويسمى المشحوف.
كما تحدثت الرقم الطينية للحضارتين السومرية والبابلية، فضلا عن الكتب السمائية، عن سفينة نبي الله نوح التي أمره الله بصناعتها لتحمل من كل زوجين اثنين للنجاة من الطوفان العظيم، وعن رسوّها على جبل الجودي في إحدى قرى الموصل القديمة. وهذه الشواهد تؤكد أن أرض العراق كانت، وستبقى، مهد الحضارة والرسالات.
من الصيد إلى زفة العروس: مهام متوارثة
ما يزال المشحوف حاضرا في ذاكرة كبار السن بكل تفاصيله، إذ تمتد مهامه من الصيد إلى زفة العروس، ومن المدرسة إلى قص القصب. واتخذ سكان الأهوار وسكان القرى والمدن القريبة من الأنهار الزوارق الخشبية في عملهم ونزهاتهم ونقل حيواناتهم إلى يومنا هذا، ولم يتغير هذا الأمر منذ آلاف السنين، باستثناء المواد المصنوعة منها هذه الزوارق.
وهذا التراث الحي ليس حالة منفردة، فالحضارة العراقية تركت بصماتها في كل تفاصيل الحياة، من الأزياء التراثية العراقية التي تعكس تنوع الألوان وذاكرة المكان كما описتها بوابة نبض العرب، إلى المدن الأثرية مثل عكركوف التي تحدث صحيفة المراقب العراقي عن أسرارها الحضارية، وصولا إلى الجذور العميقة التي تحدثت عنها دراسات حول شمال وادي الرافدين حصنا تاريخيا لحفظ الهوية.
اعتراف دولي بتراث وطني
دخل المشحوف العراقي ضمن منظومة أهوار جنوب العراق التي أُدرجت رسميا على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في يوليو 2016. وهذا الاعتراف الدولي هو انتصار للهوية العراقية الأصيلة، ورسالة إلى العالم بأن العراق، رغم كل محاولات التخريب والإرهاب التي واجهها، يبقى حاضنة حضارات لا يمكن لأحد أن يطالها أو ينكر عراقة إنسانها.
إن الحفاظ على المشحوف وصناعته التقليدية هو واجب وطني، يحتاج إلى دعم مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، لضمان بقاء هذا الإرث متوارثا بين الأجيال، ولتظل مياه الأهوار شاهدة على أن العراق كان وما يزال بلاد الحضارة والعطاء.
أسئلة شائعة
ما هو المشحوف؟
المشحوف هو القارب التقليدي التاريخي لسكّان أهوار جنوب العراق، ويعود أصله إلى الحضارة السومرية قبل نحو 5000 سنة، ويتميز بشكله الهلالي الانسيابي ومقدمته ومؤخرته المرتفعتين.
لماذا يبقى المشحوف وسيلة النقل الوحيدة في الأهوار؟
لأن مناسيب مياه الأهوار الضحلة لا تتناسب مع الزوارق النهرية الأخرى، بينما صمم المشحوف خصيصا بمقدمته ومؤخرته المرتفعتين وجسمه النحيل للانسياب في هذه المياه.
متى أدرجت الأهوار العراقية على لائحة التراث العالمي؟
أدرجت منظومة أهوار جنوب العراق رسميا على لائحة التراث العالمي لليونسكو في يوليو 2016، والمشحوف جزء أساس من هذه المنظومة.
