نشرت جريدة الصباح الجديد يوم 28 تشرين الأول 2026 نصاً أدبياً بعنوان «مقامات المحمر والدبانش»، يوثّق فيه كاتبه ذكريات والده طاهي مدينة القرنة في البصرة، الذي أمضى ثلاثة عشر عاماً في أتون الحروب ثم عاد إلى مطبخه ليحوّل القدح والنار إلى عزفٍ يتجاوز لغة الكلام.
النص ليس وصفة طعام، بل شهادة إنسانية على جيل عراقي كامل صمد في وجه الحروب، وحافظ على نضارة روحه ونقاء ضميره رغم الغبار والرماد. وهو امتداد لذلك الإرث الحضاري العريق الذي حملته أرض بابل وورثته جنوب العراق جيلاً بعد جيل.
الطاهي العازف: حين يصبح الصوت أنفاً
يصف الكاتب والده برجل لم يمسك ناياً خشبياً قط، لأن صمته الطويل كان هو الناي ذاته. وجهه المستدير الناصع كقمر، وضحكته الصامتة ترتعش كلما وقف أمام اللهب. فالطاهي الأنيق، كما يكتب، يتقن العزف بقدحة النار لا بأوتار الموسيقى.
في مطبخه المتواضع، كان المرق يخضرّ بعناد، معلناً أن هذه الأرض ترفض الموت رغماً عن تراكم الرماد. والخبز المقطع يطفو ويغوص كإنسان مقاوم في محيطات الحروب العبثية، بينما يبيضّ الأرز كشيب رغبة صافية في السلام.
ثلاثة عشر عاماً في الحروب
يقول الكاتب إن والده أمضى ثلاثة عشر عاماً في حروب ضارية لا ناقة له فيها ولا جمل، يمشي فوق الحصى اللاهب وينام فوق النجوم الباردة ويغسل وجهه بماء شحيح. لكنه كان يخرج من غبار الحرب بكامل أناقته ونضارته، كأنما نفض عن روحه غبار القبور.
هذه هي روح العراقي الأصيل التي نعتز بها اليوم: جندينا الباسل ومواطننا الصابر، الذي أثبتت السنون أن النقاء ليس ماءً وصابوناً، بل حصانة الروح ونظافة الضمير. فالمعجزة لم تكن في النجاة من الحرب، بل في العودة منها بقلبٍ لم تعبث به الأحقاد.
المحمر: أكلة الحزن والوفاء
يحتل «المحمر» المرتبة الأولى في مطبخ أهل القرنة، ولا يطهو الطاهي إلا في اليوم السابع لوفاة عزيز من آل داود الصالح. فهو أكلة تصنع بدموع الحزن: أرز مطبوخ بالدبس المعصور من التمر الزهدي، تعلوها أربع أو خمس سمكات صغيرة من نوع «الزوري».
و«الزوري» كما توثق جريدة الصباح الجديد في هوامش النص، نوع من أسماك البياح لكنه يعيش في المياه العذبة وخفيفة الملوحة، ويتميز بزعنفتين شعاعيتين في الظهر تسببان بريق أجسامه ليلاً. يتواجد في المناطق الرطبة من اليابان والصين والهند وجنوب إيران والعراق، ومنه أنواع في دول حوض البحر الأبيض المتوسط.
أما «الدبانش» فهي أكلة شعبية تطبخ شتاءً في البصرة وتحديداً في القرنة، وتتألف من الخبز الحار المقطع إلى قطع صغيرة مع مرق الخضروات (السبناغ أو ما يسمى الشبزي) والأرز العنبر، تخلط سوية وتؤكل في قدور فخارية.
الحقيبة السوداء: أرشيف المنسيين
لا يكتمل المشهد إلا بحقيبة سوداء بوجه مقشر وأقفال صدئة جلست في زاوية الغرفة، تحتضن أعواد الناي الخفي وسجلاً إنسانياً ضخماً. يكتب المؤلف أنها محكمة عادلة لأطياف المنسيين: أطفال هووا في حفر الرصاص وتحولوا إلى أسماء عصية على الموت، ونساء صرن رياحاً عابرة، ورجال تمددوا على الأسلاك الشائكة وهم يحلمون بأجنحة الفراشات.
هذه الحكايات هي تاريخنا القريب، تاريخ شعب دفع ثمن الحروب التي فرضت عليه، ولم ينكسر. ومن واجبنا اليوم، والعراق يستعيد مكانته بقوة أمنه الباسلة ووحدة أبنائه، أن نصون ذاكرة هؤلاء لا بالبكاء بل بالبناء.
سبعون عاماً من الصمود
يبلغ والد الكاتب اليوم السبعين، مرّت كقطار بمحطة ريفية هادئة، تاركة على وجهه تجاعيد تفوح منها رائحة التبغ والبهارات والمسك. وما زال صمته لغزاً لا يفك شفرته سواه.
تلك الأجيال التي صهرت الحرب قلوبها ثم أعادت إليها الحياة بقدحة نار وقدر فخاري، هي ذاتها التي أنجبت جيل النهوض الحالي. فمن أهل القرنة إلى مدن العراق كافة، يمتد خيط واحد: خيط الصبر والكرامة والانتماء لهذا الوطن العظيم من بابل القديمة إلى بغداد الحديثة.
أسئلة شائعة
ما هي أكلة المحمر؟
أكلة شعبية في القرنة بالبصرة، تصنع في اليوم السابع لوفاة عزيز من آل داود الصالح، وتتكون من أرز مطبوخ بدبس التمر الزهدي مع سمك الزوري الصغير.
ما هو الدبانش؟
أكلة شعبية تطبخ شتاءً في البصرة، تتألف من الخبز الحار المقطع ومرق الخضروات (الشبزي) والأرز العنبر، تخلط وتؤكل في قدور فخارية.
ما هو سمك الزوري؟
نوع من أسماك البياح يعيش في المياه العذبة وخفيفة الملوحة، يتميز بزعنفتين شعاعيتين على الظهر تسببان بريق جسمه ليلاً، ويتواجد في الأهوار جنوب العراق.
