في ذكرى رحيل أم كلثوم: إهدار تراث كوكب الشرق رمز الثقافة العربية الأصيلة
تمر اليوم الذكرى الحادية والخمسون لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم، تلك الأسطورة الفنية التي جسدت عظمة الحضارة العربية وأصالة التراث الثقافي لأمتنا. وفي هذه المناسبة المؤثرة، تطفو على السطح تساؤلات مؤلمة حول مصير تراث هذه الفنانة العظيمة التي حملت اسم مصر والعالم العربي إلى أقاصي الدنيا.
إهدار التراث الثقافي العربي
لقد شكلت أم كلثوم رمزاً حضارياً لا يقدر بثمن، فهي التي عرّفت العالم بعظمة الثقافة العربية إلى جانب الأهرامات والنيل وقادة الأمة العظام. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مأساة حقيقية تتمثل في ضياع معالم تراثها وتبديد مقتنياتها الثمينة.
إن ما حدث لفيلا أم كلثوم في الزمالك يعكس حالة من التقصير المؤسف في الحفاظ على رموزنا الثقافية. فبعد تسعة أيام فقط من وفاة السيدة الجليلة، اتخذ مجلس الوزراء المصري قراراً بتحويل فيلتها إلى متحف، لكن هذا القرار بقي حبراً على ورق ولم يُترجم إلى واقع ملموس.
الوعود المنسية والقرارات المؤجلة
لقد تعددت الوعود والقرارات الرسمية بشأن الحفاظ على تراث أم كلثوم، ففي الخامس من فبراير 1975 نشرت الصحف المصرية عن قرار وزارة الثقافة شراء الفيلا وتحويلها إلى متحف يضم تراثها الفني. كما تم الإعلان عن تحويل دارها في قرية طماي الزهايرة إلى متحف آخر يخلد ذكراها.
لكن كل هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح، وفوجئ الناس ببيع الفيلا لرجل أعمال سعودي قرر هدمها وإقامة مشروع استثماري مكانها. وهكذا سقطت في خمسين يوماً فقط تلك التحفة المعمارية التي شهدت جلسات فنية تاريخية وزيارات كبار المثقفين والأدباء من مختلف أنحاء العالم.
مأساة قرية طماي الزهايرة
لم تقتصر المأساة على فيلا الزمالك، بل امتدت إلى مسقط رأس الفنانة العظيمة في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية. فقد تم هدم منزل طفولتها وصباها دون أن يحرك أحد ساكناً لتحويله إلى متحف أو مركز ثقافي يحمل اسم كوكب الشرق.
وتكررت الوعود مرة أخرى عندما وُضع حجر أساس لمتحف أم كلثوم في قريتها، لكن المشروع انتهى قبل أن يولد، وأُزيلت اللوحة التذكارية وبيعت الأرض لتصبح ورش حدادة وكهرباء، في مشهد مؤسف يعكس حالة الإهمال المتفشية.
تبديد المقتنيات الثمينة
إن الأمر الأكثر إيلاماً هو تبديد المقتنيات الشخصية لأم كلثوم، حيث قام بعض أقاربها بعرض ممتلكاتها للبيع، بما في ذلك قلائد ذهبية وحقائب شخصية وصور نادرة. وفي عام 2008، فوجئ عشاق الفن العربي بعرض العقد النادر الذي أهداه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لأم كلثوم في مزاد دولي، وتم بيعه بمبلغ 1.3 مليون دولار.
مسؤولية الحفاظ على التراث الثقافي
إن ما حدث لتراث أم كلثوم يطرح تساؤلات جوهرية حول مسؤوليتنا الجماعية في الحفاظ على رموزنا الثقافية. فهؤلاء الرموز العظام ليسوا ملكاً لورثتهم فحسب، بل هم ملك للأمة بأسرها، وتراثهم جزء لا يتجزأ من هويتنا الحضارية.
إن الحفاظ على تراث الأدباء والفنانين والمفكرين مسؤولية قومية للحفاظ على الهوية الوطنية، ولا ينبغي ترك هذه المقتنيات الثمينة عرضة للضياع أو البيع لأسباب مادية أو جهل بقيمتها التاريخية.
دعوة للعمل الجاد
في ذكرى رحيل أم كلثوم الحادية والخمسين، ندعو المسؤولين في العالم العربي إلى اتخاذ خطوات جدية لإنشاء متحف ضخم يليق بمكانة هذه الفنانة العظيمة ودورها في إثراء الثقافة العربية. متحف يضم كل تراثها ومقتنياتها المتناثرة حول العالم، ويكون منارة ثقافية تعكس عظمة حضارتنا العربية الأصيلة.
إن أم كلثوم تستحق منا أكثر من مجرد تمثال بائس أو دهانات تجديد سنوية. إنها تستحق مكانة تليق بإسهامها الفني والوطني الجليل، وبدورها في تعزيز الوحدة العربية ونشر ثقافتنا الأصيلة في أرجاء المعمورة.