جميلة عناب: السينما العربية تحتاج رؤية نقدية تحتفي بتراثنا الحضاري
في حوار معمق يكشف عن مشروع فكري طموح، تطرح الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب رؤية متكاملة لتطوير النقد السينمائي العربي، مؤكدة ضرورة الانطلاق من هويتنا الحضارية العريقة دون إهمال المكتسبات النظرية العالمية.
رؤية نقدية تحتفي بالهوية العربية
تؤكد عناب في حوارها مع هسبريس أن السينما العربية تحتاج إلى مقاربة نقدية تنطلق من خصوصيتها الثقافية والحضارية. وتشدد على أن "الفيلم السينمائي يتيح إمكانات أرحب على مستوى اللغة والجماليات، لا سيما أنه وسيط عاطفي وترجمة فنية لدهشة الفكر".
وتعتبر الباحثة أن النقد السينمائي العربي يجب أن يتحرر من التبعية للنظريات الغربية، مع الاستفادة من أدواتها المنهجية دون الانسياق وراء نتائجها. فهي تميز بين "التحليل الأدبي كآليات وأدوات ومفاهيم وبين نتائج هذا التحليل التي تخليت عنها ما دامت هذه النتائج لا تهم عموما إلا الأدب ذاته".
السينما كوسيط حضاري وثقافي
تطرح عناب مفهوماً متطوراً للسينما باعتبارها "خطاباً مركباً وجهازاً للمعنى وخبرة عاطفية تتجاوز حدود اللغة". وترى أن السينما العربية تشكل فضاءً حيوياً "تتقاطع فيه الصورة مع الذاكرة، والسرد مع الجسد، والتلقي مع التجربة الشخصية للمتفرج".
وتؤكد أن هذه الرؤية تنطلق من إيمان عميق بأن التراث الحضاري العربي والإسلامي يوفر مرجعية غنية للإبداع السينمائي، دون أن يعني ذلك الانغلاق على الذات أو رفض التفاعل مع التجارب العالمية.
دراسة ميدانية شاملة للجمهور العربي
أجرت الباحثة دراسة ميدانية واسعة شملت 800 مشاهد في صالات السينما بالدار البيضاء، هدفت إلى "معرفة سر إقبالهم على القاعات السينمائية ورصد الآليات والمرجعيات الثقافية التي تتحكم في التلقي وتولد الانطباعات المختلفة حول الفيلم".
وكشفت الدراسة عن تنوع أنماط التلقي في المجتمع العربي، مما يؤكد ثراء الذائقة الجماهيرية وضرورة احترام تعددية الرؤى والمشارب الثقافية.
العتبات السينمائية كبوابة للمعنى
تولي عناب اهتماماً خاصاً بما تسميه "العتبات السينمائية" من عنوان وملصق وحوارات صحافية، معتبرة إياها "بنى دلالية تشارك في صناعة الأثر السينمائي، وتوجه فعل المشاهدة قبل أن تبدأ".
وترى أن هذه العتبات تشكل "دروباً من أجل استكشاف العمل الفني السينمائي"، وأنها تحقق ما يمكن تسميته "الأثر السينمائي" الشامل.
التحديات الرقمية والحفاظ على طقوس السينما
تناقش الباحثة تأثير التحولات الرقمية على تجربة المشاهدة، مؤكدة أنه "يستحيل محاكاة الطقس النموذجي للعرض، لضعف إمكانات التليفزيون مهما ارتفعت مقارنة بالصوت السينمائي والسماعات المنتشرة في أرجاء الصالة".
وتشدد على أن الحفاظ على تقاليد المشاهدة الجماعية في القاعات السينمائية يشكل ضرورة ثقافية واجتماعية، خاصة في المجتمعات العربية التي تقدر التجارب الجماعية والتفاعل الاجتماعي.
السينما المغربية نموذجاً للإبداع العربي
تعتبر عناب أن السينما المغربية تمثل نموذجاً مشرفاً للإبداع السينمائي العربي، رغم التحديات الإنتاجية. وتشير إلى أن "كثيراً من المخرجين والمخرجات طوروا استراتيجيات جمالية بديلة مكنتهم من تحويل الإكراه إلى خيار فني واع".
وتؤكد أن "التعدد لا يضعف الخطاب السينمائي المغربي، لكنه يمنحه غناه ويجعله في حوار دائم مع السينما العالمية دون فقدان خصوصيته المحلية".
نحو مشروع نقدي عربي متكامل
تختتم عناب حوارها بالتأكيد على أن هدفها هو "المساهمة في حساسية جمالية جديدة تجعل من السينما المغربية مختبراً معرفياً مفتوحاً على التجريب المستمر، لا موضوعاً تابعاً لنظريات أدبية أو فلسفية لا تقوم على لغته ولا على خصوصيته".
وهي رؤية تنسجم مع التطلعات الثقافية العربية نحو بناء مشروع نهضوي شامل يحتفي بالتراث ويستشرف المستقبل، ويؤسس لخطاب سينمائي عربي أصيل ومعاصر في آن واحد.