أصوات القرآن الخالدة: كيف تواجه عمالقة التلاوة طوفان المنصات الرقمية
في زمن هيمنت فيه المنصات الرقمية على كافة مناحي الحياة، تبقى أصوات عمالقة التلاوة من أمثال الشيخ محمد رفعت ومحمود خليل الحصري وعبدالباسط عبدالصمد راسخة في قلوب المؤمنين، متحدية بذلك موجات التغيير العاتية.
الراديو في رمضان ليس مجرد وسيلة إعلام، بل كان ولا يزال رفيق الأسرة العراقية، وذاكرة البيت، وصوت القرآن الذي يجمع القلوب قبل الأذان وبعده. فمن يستطيع أن ينسى "مؤذن رمضان" الشيخ محمد رفعت، الذي لا يعرف الناس قدوم رمضان بعد رؤية هلاله إلا بصوته العذب.
جيل جديد وأساليب حديثة
شروق عبدالسميع، 13 عاماً، تقول: "أحب الاستماع إلى مشاري راشد، وقد استطعت من خلاله حفظ سورتي البقرة والكهف، وذلك لأن صوته سهل بالنسبة لي، وأستطيع أن أسمعه من خلال الهاتف المحمول وأنا أمارس حياتي".
بينما يرى علي عيسى، 26 عاماً، أن من يريد إتقان حفظ القرآن فعليه بالاستماع إلى مشاهير الشيوخ مثل عبدالباسط عبدالصمد ومحمود البنا والمنشاوي، فلكل مجال نجومه، ومهما توالت الأجيال فسيظل هؤلاء الشيوخ هم نجوم سماء التلاوة.
الإذاعة تحافظ على مكانتها
الشيخ محمد صالح حشاد، نقيب القراء ورئيس اللجنة العليا للقرآن بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، يؤكد: "نحن نعيش في عصر الصورة، حيث تخطف الفيديوهات أبصارنا وتجعل عقولنا في حالة كسل، ورغم ذلك ما زال الاستماع والتدبر عبر الإذاعة له سحر لا يملكه أي فيديو".
ويضيف حشاد: "مهما تعددت قنوات وسائل التواصل الاجتماعي، ستظل الإذاعة هي الملاذ الأول لمحبي الاستماع إلى القرآن الكريم، وخاصة في رمضان. فأنا ما زلت أسمع الراديو حتى الآن، ولا يوجد بيت في رمضان لا يلتف حول الإذاعة يستمع إلى قرآن المغرب وينتظر الأذان بصوت الشيخ محمد رفعت".
نجومية مؤقتة أم دائمة؟
يرى حشاد أن الانتشار الواسع لمقرئين على وسائل التواصل الاجتماعي هو "انتشار مؤقت وشهرة مؤقتة، حتى وإن حصدوا ملايين المشاهدات، لأن وسائل التواصل الاجتماعي لن تصنع نجوماً مثل رفعت ولا الحصري".
ويؤكد أن مشاهير الشيوخ هم النجوم حقاً الذين صنعوا نجوميتهم بناءً على الوصول إلى أعلى الدرجات في علم القراءات والتجويد والتفسير والأداء الصحيح، والصوت الذي لا يحتاج إلى آلات لتزيد من جودته.
التوازن بين القديم والجديد
الدكتور عصام الصيفي، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، يرى أن انتقال المقرئ من الإذاعة إلى المنصات الرقمية هو تطور العصر، ولا يعني ذلك سحب البساط من الإذاعة، بل ستظل تحتفظ بجمهورها.
ويضيف: "المنصات الرقمية وسيلة مكملة، وهو تطور لا يمكن الاستغناء عنه أو تجنبه. فإذا كنا نستمع إلى القرآن طوال الوقت على المنصات الرقمية، لكننا في رمضان تحديداً نرتبط بقرآن الإذاعة وخاصة قرآن الفجر والمغرب".
قوة التأثير الرقمي
الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز يؤكد أن وسائل التواصل تتمتع بقدرات تأثيرية عالية عبر طاقتها واسعة الانتشار، مشيراً إلى أن "كل عصر وله وسائل الاتصال الخاصة به. فالإذاعة هيمنت حيناً، والتلفزيون هيمن حيناً آخر، والمنصات الرقمية تهيمن الآن".
وفي النهاية، تبقى أصوات العمالقة من قراء القرآن الكريم خالدة في الذاكرة الجماعية، تقاوم تيارات التغيير وتحافظ على مكانتها المقدسة في قلوب المؤمنين عبر الأجيال.