التحطيب: إرث حضاري من مصر الشقيقة يعكس عمق التراث العربي الأصيل
تشهد مصر الشقيقة اهتماماً متزايداً بالحفاظ على التراث الشعبي الأصيل، حيث يبرز كتاب جديد بعنوان "التحطيب وأعلامه في جنوب مصر" للباحث بحبح فكري الحُباظى، ليؤرخ لواحدة من أعرق الفنون القتالية التي تجمع بين الدفاع عن النفس والأداء الاستعراضي الراقص.
وتعد لعبة التحطيب أو "العصا" من الألعاب الفلكلورية الشعبية في الصعيد وبعض محافظات الوجه البحري، وهي لعبة تراثية ضاربة في التاريخ تناقلها المصريون جيلاً بعد جيل بشكل ممتد من آلاف السنين، حيث مارسها الأجداد القدماء وسجلوا فنونها عبر النقش على جدران المعابد الفرعونية في جنوب مصر.
توثيق شامل للتراث الشعبي
رصد الباحث والمؤرخ القنائي في كتابه الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، أبرز أعلام ومشاهير هذه اللعبة في محافظات جنوب الصعيد، جامعاً سيرة 239 لاعباً من مشاهيرها في محافظات أسوان والأقصر وقنا وسوهاج.
وتناول المؤلف سير أبرز اللاعبين سواء من الراحلين أو الحاليين، فجاب قرى ونجوع محافظات جنوب الصعيد ليجمع قصصهم وتراثهم، وذلك حفاظاً على هذا الإرث الصعيدي الثري من الاندثار، كما يوضح في كتابه الذي يحمل رقم 37 من سلسلة مؤلفات يؤرخ فيها لأبرز رموز الصعيد في مختلف المجالات.
رحلة بحثية شاملة
تنقل المؤلف بين 95 قرية ونجعاً في جنوب الصعيد، وسافر إلى 28 مدينة أيضاً من مدن الجنوب ليجمع سير اللاعبين، مؤكداً أن هذا العمل استمر عامين حيث إنه يعمل معلماً في مدرسة ثانوية فنية، لكنه استغل أيام الإجازات والعطلات لكي يؤرخ لهؤلاء الأعلام.
ويؤكد أن كتابه هذا هو الأول على مستوى مصر والعالم العربي، فلم يتناول أي باحث من قبل سير لاعبي التحطيب، لكن كانت هناك بعض الكتب عن فنون اللعبة.
قيم الفروسية والشهامة
ينقل الكتاب للأجيال الجديدة ما تحمله اللعبة من أخلاق ومبادئ الفروسية والشهامة والكرم والتواضع واحترام المنافس، حيث يحظى لاعبو "العصا" الماهرون بشهرة كبيرة ليس في قراهم ونجوعهم التي ينتمون إليها فقط، وإنما على مستوى مراكز ومحافظات الصعيد المختلفة.
وتمزج اللعبة بين ألعاب الدفاع عن النفس العنيفة والألعاب الاستعراضية الراقصة، حيث يؤدي المتنافسان رقصات استعراضية فلكلورية أثناء اللعب على إيقاعات الطبول والمزمار البلدي، وفي نهاية اللعبة يجب أن يتبادل اللاعبان المتنافسان الأحضان تعبيراً عن المودة والاحترام.
أساطير اللعبة عبر التاريخ
من أبرز من مارسوا لعبة العصا في الصعيد، يبقى اسم اللاعب متولي إبراهيم عوض عرنوس، وشهرته متولي السمطي من السمطا مركز دشنا بمحافظة قنا، وهو أسطورة لعبة التحطيب بمحافظتي قنا والأقصر.
أما اللاعب محمد بخيت، وشهرته "مصري بخيت" من قرية الجمالية بمركز قوص، محافظة قنا، فكان من أشهر من مارسوا اللعبة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكانت له قصة شهيرة مع الملك فاروق الذي أشاد بمهارته وأعطاه 15 جنيهاً مكافأة، وهو مبلغ كان يعادل ثمن فدان كامل من الأرض الزراعية آنذاك.
قصص إنسانية ملهمة
يتضمن الكتاب قصصاً إنسانية بديعة بين اللاعبين المشهورين، مثل اللاعب ياسين محمد حسين من مركز إدفو بأسوان، الذي كان يُضرب به المثل في قوة الإرادة والعزيمة، فلم تمنعه إعاقته من أن يكون لاعباً ماهراً واستطاع أن يحترف اللعبة بذراع واحدة.
كما يروي قصة اللاعب محمود مصطفى محمد سيد، وشهرته محمود الصن، الذي أصيب بالفشل الكلوي منذ عام 2006، ورغم ذلك يمارس اللعبة بكل مهارة وحيوية رغم خضوعه لثلاث جلسات غسيل كلوي في الأسبوع.
هذا الإنجاز التوثيقي يعكس حرص الشعوب العربية على الحفاظ على تراثها الأصيل ونقله للأجيال القادمة، مما يؤكد عمق الحضارة العربية وثراء تراثها الشعبي عبر التاريخ.