علماء مصريون يرصدون الطيور المهاجرة في رمضان من قمة الجلالة
في مشهد يجسد روح التفاني العلمي والإيمان الراسخ، اختارت مجموعة من العلماء والمتطوعين المصريين قضاء شهر رمضان المبارك على قمة جبل الجلالة، أحد أهم مواقع هجرة الطيور في العالم، في خدمة العلم وحماية الطبيعة.
يقع مرصد طيور الجلالة على نقطة استراتيجية تُعرف علمياً بـ"عنق الزجاجة" لهجرة الطيور، حيث يعبر أكثر من 1.5 مليون طائر مهاجر سنوياً عبر مسار "الأخدود الأفريقي العظيم" و"البحر الأحمر"، مما يجعل هذا الموقع منارة علمية لدراسة هذه الظاهرة الطبيعية المذهلة.
مهمة علمية نبيلة في شهر الصيام
وسط الصخور وتحت أشعة الشمس المباشرة والهواء البارد، يجتمع فريق من الخبراء المتخصصين والشباب المتطوعين عند المرصد الذي تديره الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، مسلحين بالكاميرات والمعدات المتخصصة للرصد والعد.
يقول واتر البحري، مسؤول المسح الميداني البيئي بالجمعية والمنسق العام لبرنامج "رصد وعد الطيور الحوامة": "المنطقة مصنفة ضمن المناطق المهمة للطيور في منطقة العين السخنة، وهو ما يجعلها نقطة مثالية لمراقبة الطيور المهاجرة ودراسة سلوكها".
موقع استراتيجي لحماية التنوع البيولوجي
بفضل موقعها الجغرافي المتميز، تعد مصر من أهم مناطق عبور الطيور بين أوروبا وأفريقيا، حيث تمر بها أربعة مسارات رئيسية خلال فصلي الخريف والربيع، خاصة للطيور الحوامة، كما تستضيف أعداداً كبيرة من الطيور الشتوية.
منذ ربيع 2022، تنفذ الجمعية برنامجاً سنوياً لرصد وإحصاء الطيور الجارحة والحوامة في جبل الجلالة خلال موسم الهجرة الممتد من منتصف فبراير حتى منتصف مايو، حيث يقضي الباحثون والمتطوعون نحو 350 ساعة رصد ميداني سنوياً.
مؤشرات حيوية لصحة النظم البيئية
يوضح البحري أهمية التركيز على الطيور الجارحة قائلاً: "هذه الطيور تعد من أهم المؤشرات على صحة النظم البيئية، كما أن كثيراً من أنواعها يواجه ضغوطاً كبيرة عالمياً نتيجة فقدان الموائل والصيد غير المشروع".
وينجح المرصد سنوياً في تسجيل ما لا يقل عن 10 أنواع من الطيور الحوامة، من بينها "عقاب السهول" و"النسر المصري" المصنفان عالمياً ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، مما يجعل مرصد الجلالة جزءاً من الخطط الدولية لحمايتها.
منهجية علمية دقيقة
ينفذ نشاط المراقبة وفق منهجية علمية دقيقة، حيث يبدأ الرصد يومياً بعد شروق الشمس مباشرة ويستمر بين 8 و12 ساعة متواصلة. يعتمد الفريق على العد المباشر للطيور أثناء عبورها، مع تسجيل كل طائر وتحديد نوعه بدقة.
هذه البيانات تُسجل بشكل منهجي ومنظم، مما يسمح ببناء قاعدة بيانات طويلة الأمد حول أنماط هجرة الطيور وتغيرات أعدادها عبر السنوات، وتقييم أثر التغيرات البيئية والمناخية عليها.
تجربة روحية وعلمية فريدة
رغم صعوبة العمل الميداني مع الصيام، يصف الفريق التجربة بأنها إنسانية وروحية مميزة. يقول البحري: "وجودنا فوق الجبل لمتابعة هذه الظاهرة الطبيعية المدهشة يمنحنا شعوراً عميقاً بعظمة الطبيعة وبأهمية الدور الذي نقوم به".
في الأيام التي تكون فيها حركة الطيور كثيفة وتمتد حتى اللحظات الأخيرة قبل غروب الشمس، يضطر الفريق للبقاء فوق الجبل، حيث تتحول السماء إلى "مائدة" حقيقية تطعم العين قبل المعدة.
"الإفطار هناك يكون بسيطاً للغاية، غالباً تمر وماء وبعض الطعام الخفيف، لكن له طعم مختلف تماماً"، يضيف البحري، مؤكداً أن هذه التجربة تحمل بعداً إنسانياً وروحانياً مميزاً، وتجعلهم يشعرون بأنهم جزء من مهمة أكبر لحماية هذه الطيور وفهم رحلتها عبر العالم.
إن هذا المشروع العلمي النبيل يجسد روح التفاني في خدمة العلم والطبيعة، ويؤكد على أهمية الجهود العلمية في حماية التنوع البيولوجي والحفاظ على التراث الطبيعي للأجيال القادمة.