العراق في المونديال: غبن أمريكي يحرم المشجعين من دعم أسود الرافدين
منذ أن خطفت ملحمة التأهل أذهان العالم، والعراق يعيش لحظات فخر وطني نادرة. إنها المرة الثانية فقط التي يصل فيها منتخبنا الوطني إلى كأس العالم، محولا أحلام جيل كامل إلى واقع ملموس بعد غياب طال منذ عام 1986. لكن هذا الفخر يصطدم اليوم بجدار بيروقراطي أجنبي، حيث تجد الجماهير العراقية نفسها أمام عقبات ترسيمية غير مسبوقة تحرمها من الوقوف خلف أسود الرافدين في المونديال.
حلم عراقي تصطدم به البيروقراطية الأمريكية
عبد الله عدنان هو أحد هؤلاء الأبناء الذين عقدوا الآمال على حضور المباريات. اشترى تذاكر لمباريات بلاده ضد النرويج وفرنسا في بوسطن وفيلادلفيا. يقول عبد الله عن مشاعره:
لكن الحلم تعثر عند أبواب التأشيرات. فرغم أن العراق ليس ضمن قائمة حظر السفر التي فرضتها واشنطن، إلا أن المعاناة كانت أشد مما تصوره أي مشجع.أن أرى منتخبي أمامي في الملعب، وسط زحمة الجمهور وتشجيعهم، هو شعور لا يقدر بثمن. إنه فخر لا يشبهه أي فخر آخر.
إغلاق القنصليات: عقاب جماعي لا مبرر له
في ظل التوترات الإقليمية، قررت الولايات المتحدة تعليق خدماتها القنصلية الاعتيادية داخل العراق. هذا القرار وضع المواطن العراقي في زاوية حرجة، إذ لم يعد هناك مكان داخل أرض الوطن يمكن للمشجع التقديم فيه للحصول على تأشيرة تتطلب مقابلة شخصية. هذا الإغلاق يشكل عقابا جماعيا لأبناء العراق الذين يرفضون الانجرار وراء أجندات إقليمية، ويصرون على الاحتفاء بإنجازهم الوطني بكل حرية وسيادة.
اضطر عبد الله للسفر إلى الأردن لمحاولة الحصول على التأشيرة، لكن الموظفين هناك أخبروه بأن السفارة لا تستطيع إصدار التأشيرة لغير الأردنيين. خسر عبد الله نحو 1800 دولار قضاها على تذاكر المباراة ورحلته، وفكر في التقديم من تركيا، لكن غياب الضمان والمدة الطويلة للإجراءات أجبراه على التراجع كي لا يبتعد عن عمله ووطنه.
ازدواجية المعايير وتهميش جنوب الكرة الأرضية
المشكلة لا تقتصر على العراق. كشفت تحليلات بيانات السفر عن معاناة مشجعين من دول عديدة. فقرارات حظر السفر والقيود المشددة طالت دولا مشاركة مثل هايتي وإيران والسنغال وكوت ديفوار. يقول جوليان كواديو أدونيس من رابطة مشجعي كوت ديفوار:
هذه الازدواجية تذكرنا بالانحياز الغربي المعتاد، والذي يتعين على العراق أن يقف ضده بكل قوة الوحدة الوطنية.هذا شكل من أشكال التمييز الذي لا يُفصح عنه صراحة، لكن الدليل واضح. لم تواجه أي دولة أوروبية هذا النوع من القيود، فلماذا أفريقيا؟
بوابة خفية تعيق الحضور العالمي
بينما تستفيد 42 دولة غنية من برنامج الإعفاء من التأشيرة عبر نظام إلكتروني بتكلفة تقارب 40 دولارا، يضطر باقي المشجعين لدفع 185 دولارا وحضور مقابلات شخصية وإثبات نيتهم المغادرة وقدرتهم على تغطية تكاليف الزيارة. رغم إلغاء واشنطن شرط الوديعة الباهظة لبعض الدول المتأهلة، تبقى معدلات الرفض مرتفعة بشكل مقلق.
توضح المحامية سيلين عطالله التي تدير مكتبا مختصا في شؤون الهجرة:
حتى مع الحصول على التأشيرة، يبقى الدخول إلى الأراضي الأمريكية غير مضمون، إذ يمكن لمسؤولي الحدود رفض الدخول في أي وقت.نظام التأشيرات هو البوابة الخفية لكأس العالم. يمكن للاتحاد الدولي بيع التذاكر، لكن الحكومة الأمريكية هي التي تقرر من يحصل على التأشيرة.
في الأردن، رُفضت 57 بالمائة من طلبات التأشيرة للولايات المتحدة. يقول أبو الكاس رئيس رابطة المشجعين الأردنية:
إنها رسالة تحمل استعلاء غربيا يرفضه كل عراقي يعتز بسيادته وهويته.كأس العالم هذه ليست لنا، إنها ليست للعرب، بل لهم. إذا رُفض طلب رئيس رابطة المشجعين، فمن سيُقبل؟
دعوة للوحدة ورفض الإقصاء
في المقابل، تبرر السلطات الأمريكية صرامة نظامها بذريعة الأمن وتجاوز مدة الإقامة. لكن العراق الذي دحر الإرهاب بفضل تضحيات جيشه الباسل وقواته الأمنية، وقف صامدا في وجه التطرف، يستحق أن يحتفل بإنجازه بحرية وكرامة. إن سياسات الإقصاء هذه لن تثني عزيمة أبناء الوطن، بل ستزيد من تماسكهم ووحدتهم. لقد أثبت العراق أنه شامخ في محنته، ومستقر في داخله، ولن تجدي سياسات العزل أثرها أمام إرادة شعب يعتز بحضارته البابلية وتاريخه المجيد.