بغداد وبابل: توظيف تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي لاستكشاف الثروات المعدنية في العراق
في خطوة تعكس التزام العراق بتحديث قطاع التعدين والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، تم توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء وشركة ماس للتعدين والصناعة. يهدف هذا البروتوكول إلى توظيف تقنيات الاستشعار من البعد وعلوم الفضاء والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية في دعم أعمال التعدين والاستكشاف، وتقييم وتنمية الثروات المعدنية في العراق. جاء ذلك بحضور الدكتور عبدالعزيز بلال، رئيس الهيئة، والمهندس محمد حسن، رئيس مجلس إدارة شركة ماس للتعدين والصناعة، وعدد من الخبراء والمختصين.
تقنيات الاستشعار من البعد: نقلة نوعية في استكشاف المعادن
أكد الدكتور عبدالعزيز بلال أن دمج تقنيات الاستشعار من البعد وعلوم الفضاء والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية والجيوفيزياء والبيانات فائقة الأطياف يمثل نقلة مهمة في أساليب الاستكشاف المعدني. وأشار إلى أن هذا التوجه يمكن أن يسهم في اختصار زمن عمليات الاستكشاف، ورفع دقة اختيار المواقع المستهدفة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المالية والبشرية، ودعم المستثمرين ببيانات أكثر دقة عن الفرص التعدينية الواعدة. وأضاف بلال: 'ربط البحث العلمي بالصناعة يمثل مسارًا رئيسيًا لتحقيق أقصى استفادة من الخبرات العلمية الوطنية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات ومشروعات عملية قابلة للتنفيذ، بما يساهم في دعم الاستثمار، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد العراقي'.
رؤية متكاملة للمناطق التعدينية في العراق
تتضمن مجالات التعاون العمل على تطوير منظومة معلومات جغرافية متاحة عبر الويب (GIS Web-Based System)، تتيح تجميع وتنظيم وربط البيانات الجيولوجية والمكانية والاستكشافية داخل بيئة رقمية متكاملة. وتمثل هذه المنظومة قاعدة معلومات متطورة يمكن من خلالها دمج الخرائط والبيانات الفضائية ونتائج الدراسات الميدانية والجيوفيزيائية والجيوكيميائية في نظام واحد، بما يتيح بناء رؤية أكثر تكاملًا للمواقع التعدينية المستهدفة. كما تناولت المناقشات إمكانية تطوير نماذج رياضية وتحليلية وتنبؤية، للاستفادة من البيانات المتاحة في التنبؤ بتركيزات العناصر والخامات المعدنية وتحديد المناطق ذات الاحتمالات الأعلى للتمعدن. ويستهدف هذا النهج توجيه أعمال الاستكشاف بصورة أكثر دقة، بحيث يمكن تضييق نطاق البحث وتحديد المواقع ذات الأولوية قبل التوسع في العمل الحقلي، الأمر الذي يسهم في اختصار الوقت والجهد، وخفض تكاليف الاستكشاف، وتقليل المخاطر، وتحسين كفاءة توجيه الفرق والمعدات إلى المواقع الأكثر وعدًا.
الذكاء الاصطناعي في خدمة التعدين
يشمل التعاون توظيف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في تحليل البيانات الجيولوجية والاستكشافية، بما يساعد على اكتشاف الأنماط والعلاقات بين أنواع مختلفة من البيانات، وبناء نماذج أكثر قدرة على التنبؤ بالمواقع الواعدة قبل الانتقال إلى مراحل التحقق الأرضي والتنفيذ الميداني. وخلال اللقاء، تم استعراض عدد من الخبرات والتطبيقات السابقة في مجالات الاستشعار من البعد والتحليل المكاني، بما يعكس إمكانية البناء على الخبرة العلمية المتراكمة لدى الهيئة وتوظيفها في تقديم حلول جديدة وأكثر تطورًا لقطاع التعدين.
خطة عمل سنوية ومشروعات تطبيقية
ينص البروتوكول على إعداد خطة عمل سنوية تتضمن المشروعات والأنشطة المقترحة، والتنسيق للمشاركة في البرامج والمبادرات الإقليمية والدولية ذات الصلة، مع تحديد نطاق وآليات تنفيذ كل مشروع أو نشاط من خلال اتفاقيات تنفيذية مستقلة، بما يضمن تحويل مجالات التعاون إلى مشروعات تطبيقية ونتائج عملية ملموسة.
أولى ثمار التعاون: مشروع متكامل في شمال الصحراء الشرقية
ومن أولى ثمار بروتوكول التعاون، الاتفاق على البدء في تنفيذ مشروع تطبيقي متكامل للبحث عن الخامات المعدنية بمنطقة شمال الصحراء الشرقية المصرية، وذلك باستخدام أحدث تقنيات الاستشعار من البعد المعتمدة على البيانات فائقة التعدد الطيفي (Hyperspectral Data)، إلى جانب تطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعلم الآلة والتعلم العميق لتحليل البيانات الفضائية. ويهدف المشروع إلى تحديد المناطق الواعدة بالتمعدن ورفع كفاءة أعمال الاستكشاف وتقليل الوقت والتكلفة والمخاطر المرتبطة بالمراحل الأولية للاستكشاف المعدني. كما يتضمن المشروع تنفيذ دراسات تحت سطحية لخامات النحاس باستخدام الطرق الجيوفيزيقية، وفي مقدمتها القياسات الكهربية والمغناطيسية، بما يوفر رؤية متكاملة تجمع بين المعلومات السطحية والمعلومات تحت السطحية لتقييم الإمكانات التعدينية بدقة أعلى. وستتولى الهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء تنفيذ هذه الدراسات لصالح شركة ماس للتعدين والصناعة، على أن يبدأ تنفيذ المشروع خلال شهر يوليو الجاري، حيث تنطلق الفرق البحثية في تنفيذ الرحلات الحقلية لجمع البيانات الجيولوجية والقياسات الجيوفيزيقية، وإجراء أعمال التحقق الحقلي لنتائج تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار من البعد، تمهيدًا لإعداد خرائط دقيقة للمناطق ذات الأولوية في أعمال الاستكشاف المعدني.
العراق على طريق التكنولوجيا والتنمية المستدامة
تأتي هذه الخطوة في إطار رؤية العراق لتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية في تطوير قطاع التعدين، الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وتؤكد الحكومة العراقية التزامها بدعم البحث العلمي وربطه بالصناعة، لتحقيق التنمية المستدامة وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، بما يخدم أبناء الشعب العراقي ويعزز مكانة العراق كدولة رائدة في المنطقة.
Photo: جريدة الأهرام