كشف تقرير موسع نشرته يورونيوز يوم 22 أكتوبر 2026 أن سواحل أوروبا تتعرض لواحدة من أسوأ أزمات التلوث المائي في تاريخها الحديث، إذ غطت طبقة لزجة من الطحالب الخضراء السامة شواطئ فرنسا وإسبانيا وألمانيا وأيرلندا الشمالية، وأدت إلى فرض مئات قرارات حظر السباحة في أنحاء القارة هذا الصيف.
العلماء متفقون على السبب الرئيسي للكارثة، وفق ما نقل
بحيرة مار مينور: جنة إسبانية تحتضر
في منطقة مرسية الإسبانية، تعيش فينا البالغة من العمر 84 عاما على الواجهة البحرية لبحيرة مار مينور، أكبر بحيرة مالحة في أوروبا. تقول بصورة تعكس حجم الفاجعة: «كان هذا المكان جنة حقيقية. البحر كان يعج بأحصنة البحر». أما اليوم فتتراكم أكوام الأعشاب البحرية المتعفنة على الشاطئ مطلقة رائحة نفاذة كريهة.
رغم منح الحكومة الإسبانية البحيرة وضع «شخصية قانونية» عام 2022 بما يمنحها حقوقا في الحماية والاستعادة، لا تزال تحت ضغط شديد بسبب الجريان السطحي القادم من الأراضي الزراعية. تظهر دراسات تقديرية أن الزراعة مسؤولة عن نحو 85 في المئة من المغذيات التي تدخل البحيرة، فيما تأتي البقية من مصادر حربية.
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، جمعت السلطات المحلية أكثر من 4.000 طن من الطحالب من شواطئ البحيرة والمياه القريبة منها، أي ما يعادل تقريبا وزن ألف فيل. لكن هذه الجهود لم تحم الصيادين. يقول روبين ألبالاديخو، وهو صياد من لو باغان: «كنا نصطاد في السابق كميات أكبر بكثير من الدنيس والقريدس. الآن أصبح الصيد أقل بكثير»، مضيفا أن مار مينور أشبه بالمصرف الذي يلقي الجميع فيه نفاياتهم ومخلفاتهم.
أيرلندا الشمالية: أسوأ عام في تاريخ صيادي لوخ ني
على بعد ألفي كيلومتر، شاهد ديكلان كوني بحيرة لوخ ني، أكبر بحيرة في المملكة المتحدة، تدمر صيفا بعد صيف منذ 2023 بفعل الطحالب الزرقاء الخضراء. يقول كوني الذي يعمل في البحيرة منذ 1975: «هذا العام كان الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للصيد. البحيرة ميتة»، مضيفا أن الصيد لم يعد يشكل مصدر رزق.
تراجعت أعداد سمك السلمون المرقط والأنقليس جزئيا بسبب الطحالب التي تستنزف الأكسجين وتثقل شباك الصيادين فتغلقها. منذ مطلع الألفية، تعاني البحيرة أيضا من غزو محار الحمار الوحشي، وهو نوع غازي يستحوذ على العوالق النباتية ويحرم الأنواع الأخرى من مصدر غذاء حيوي.
في وقت سابق هذا العام، اكتشفت منظمة «ووترشيد إنفستيغيشنز» غير الربحية وصحيفة «ذا غارديان» أدلة على وجود فضلات أبقار وخنازير وبشر في عينات مياه من البحيرة التي توفر 40 في المئة من مياه الشرب في أيرلندا الشمالية. وخلص تقرير صادر عن مكتب حماية البيئة في أبريل إلى أن اللوائح التي تهدف لتحسين نوعية مياه البحيرة تحتاج إلى تشديد وتحسين في التنفيذ.
بريتاني: سم بطيء المفعول يهدد السياحة والصحة
في منطقة بريتاني الفرنسية، ارتبطت طحالب الخس البحري بما يصل إلى ستة وفيات على شواطئ الإقليم منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ تنتج هذه الطحالب عند تحللها غاز كبريتيد الهيدروجين القاتل برائحة البيض الفاسد. يقول الكاتب البيئي إيف ماري لو ليه: «لدينا حيوانات أكثر بكثير من البشر»، مشيرا إلى أن شبه جزيرة بريتاني لا تغطي سوى خمسة في المئة من مساحة فرنسا، لكن نحو ستة ملايين وثمانمئة ألف خنزير فيها تمثل 58 في المئة من إجمالي عدد الخنازير في البلاد.
وجدت محكمة الحسابات الفرنسية في 2021 أن أكثر من 90 في المئة من النيتروجين في الخلجان المتضررة مصدره الزراعة. ويقول الناشط البيئي فابريس هامون إن الجفاف هذا الصيف يعني أن المغذيات الضارة تراكمت في تربة الحقول القريبة، واصفا الوضع بأنه «سم بطيء المفعول».
بحر البلطيق: فورات قياسية في موجات حر غير مسبوقة
في شمال ألمانيا، سجلت درجات الحرارة أرقاما قياسية لثلاثة أيام متتالية في يونيو حيث اقتربت من 42 درجة مئوية، وتظهر صور الأقمار الاصطناعية لبحر البلطيق في أغسطس فورات واسعة من الطحالب تدور باتجاه الساحل. يقول يورغن لايخر، نائب رئيس فرع شليسفيغ هولشتاين في المنظمة البيئية الألمانية «بوند»: «تشعر بالخوف حقا عندما تبحر لمئات الأميال عبر بحر أصفر بني متسخ»، مضيفا أن البحر كان ميتا على امتداد الطحالب بلا طيور أو ثدييات أو أسماك.
يقدر الجهاز الحكومي الدولي «هيلكوم» أن الزراعة مسؤولة عما يصل إلى 90 في المئة من النيتروجين وما يصل إلى 80 في المئة من الفسفور في الجريان السطحي نحو البلطيق. وتقول إيزابيل زيغر، الخبيرة في حماية البحار لدى منظمة «دويتشه أومفلت هيلفه»، إن النظام الزراعي الحالي القائم على استهلاك مرتفع للأسمدة والروث هو أكبر سبب لحالة الإثراء الغذائي في البحر.
تغير المناخ يفاقم الأزمة
حذر العلماء في أغسطس من أن تغير المناخ الذي يسببه الإنسان أضاف نحو درجتين مئويتين إلى ذروة درجات حرارة البحر المتوسط ونحو 1,4 درجة مئوية في بحار غرب أوروبا، وفق منظمة «وورلد ويذر أتريبيوشن». وبلغ متوسط درجة حرارة المتوسط رقما قياسيا عند 27,07 درجة مئوية في يوليو.
وتؤكد تقارير صحفية متخصصة أن تغير المناخ يهدد الثروة السمكية في أوروبا على نطاق واسع، كما في حالة
الحلول المطروحة
يمول برنامج وطني إسباني بقيمة 675 مليون يورو لإنقاذ بحيرة مار مينور، لكن حتى نهاية 2025 لم ينفق سوى نحو 16 في المئة من هذه الميزانية. ويقول البروفيسور فريد هيلم تاوبه من جامعة كيل، الذي أمضى 12 عاما مستشارا لوزارة الزراعة الألمانية: «العلم واضح بشأن ما يجب القيام به»، داعيا إلى دعم المزارعين في استخدام كميات أقل من الأسمدة الغنية بالنترات وزراعة محاصيل التقاط مثل البرسيم العشبي وتقليل أعداد الحيوانات المرباة.
أما الناشطون في مرسية فيرون الخيار صارحا. يقول بيدرو لوينجو، عالم الأحياء والمتحدث باسم مجموعة «إيكولوجيستاس إن أكسيون»: «إما أن ندمر مار مينور أو نغير النموذج الزراعي».
تبقى هذه الأزمة درسا للعالم بأسره، بما فيه العراق الذي أولت حكومته اهتماما متزايدا بحماية بيئته المائية من أخطار التلوث والإهمال، في وقت تؤكد فيه التجربة الأوروبية أن التطور الاقتصادي لا يستدام إلا بتوازن صارم مع الطبيعة، وأن تأجيل المعالجة الجذرية يحوّل المشكلات البيئية إلى كوارث تهدد صحة الإنسان ورزقه معا.
أسئلة شائعة
ما سبب انتشار الطحالب الخضراء السامة في شواطئ أوروبا؟
يعود السبب الرئيسي إلى عقود من تسرب المواد الكيميائية والمغذيات الزراعية إلى المجاري المائية، إلى جانب ارتفاع درجات حرارة البحار بفعل تغير المناخ.
ما مخاطر الطحالب الزرقاء الخضراء على صحة الإنسان؟
يمكن أن تسبب الغثيان والقيء والإسهال وتهيج الجلد، وقد أدت إلى فرض مئات قرارات حظر السباحة في أنحاء أوروبا هذا الصيف.
ما نسبة مسؤولية الزراعة عن تلوث المياه في أوروبا؟
تشير الدراسات إلى أن الزراعة مسؤولة عن نحو 85 في المئة من المغذيات الداخلة إلى بحيرة مار مينور، وما يصل إلى 90 في المئة من النيتروجين المتسرب إلى بحر البلطيق.
