كشف مسؤولو شركة التكنولوجيا التركية المتخصصة في حلول الطيران «هيتيت»، على هامش مهرجان الطيران العالمي في لشبونة في تشرين الأول 2026، أن قطاع النقل الجوي العالمي يقف أمام تحول رقمي شامل يقوده الذكاء الاصطناعي، محذرين من أن اعتماد هذه التقنية من دون استراتيجية واضحة قد يهدد استمرارية العمليات وسلامة الركاب التي وصفوها بالخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه.
وذكر تقرير لقناة «يورونيوز» نشر تفاصيله على موقعها أن الرئيسة التنفيذية للشركة نِفرَا أونورصال كاراعاغاتش ومسؤول مشاريع التحول الرقمي أراس كوبيلَي دعيا إلى تحديث تدريجي لأنظمة شركات الطيران بدلا من استبدال البنية التحتية دفعة واحدة، في مؤشر على حجم التحديات التي تواجه قطاعا يخضع لتنظيم صارم ويعمل بلا توقف على مدار الساعة.
تحول رقمي حتمي لكنه يتطلب حكمة وترتيبا
وصف كوبيلَي صناعة الطيران بأنها تشهد تغييرا بنيويا في طريقة إدارة أنظمتها الرقمية، مشددا على أن التحدي يكمن في تحديث البنى التحتية من دون الإخلال بسير الرحلات ورضا المسافرين.
وقال: «شركات الطيران مؤسسات بالغة التعقيد وتعمل بلا توقف، 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع»، ما يجعل تعليق العمليات لاستبدال الأنظمة الأساسية أمرا مستحيلا.
واستشهد المسؤول باستطلاعات العام الماضي التي رأى فيها 72 في المئة من مسؤولي القطاع أن التحول الرقمي حاسم، فيما تشير تقديرات سمعها خلال مهرجان هذا العام إلى تجاوز النسبة 90 في المئة. ومع ذلك، لم تتخذ سوى 27 في المئة من شركات الطيران خطوات ملموسة، وهو ما يوضح الفجوة بين الوعي والتنفيذ في قطاع يمثل عموده الفقري للربط بين الأمم والاقتصادات.
وحذر قائلا: «إذا لم نمضِ في هذا الاتجاه خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة، فقد نواجه مشكلات»، داعيا إلى نهج تدريجي يستبدل الأجزاء بحسب الحاجة ثم المضي قدما إذا كانت النتائج إيجابية.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية؟
يشغل الذكاء الاصطناعي موقعا محوريا في هذا التحول، لكن كوبيلَي اشترط ربط استخدامه بأهداف واضحة، سواء زيادة الإيرادات أو خفض التكاليف أو تحسين تجربة العملاء.
وقال: «إذا قالوا إنهم سيفعلون كل شيء في الوقت نفسه، مع الاكتفاء بوضع ملصق الذكاء الاصطناعي على المشاريع، فسوف ينفقون المال من دون أن يحدث شيء فعلي».
وأوضحت كاراعاغاتش أن شركتها بدأت دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في محاسبة التكاليف والتقارير وإدارة الاضطرابات التشغيلية، ما يتيح الحصول على تقارير عبر طلبات مكتوبة من دون إدخال المعايير يدويا. ويمكن للتقنية أيضا استباق المشكلات الجوية عبر نموذج يجمع خصائص المدارج واتجاهها بالنسبة إلى الرياح وأنماط الطقس للتنبؤ بالتأخيرات وتغييرات المسار قبل وقوعها.
لكن المسؤول حذر من مخاطر الاعتماد الأعمى على هذه الأنظمة، مشيرا من دون ذكر أسماء إلى حالة سمح فيها نظام ذكاء اصطناعي بإجراء تعويضات تتجاوز المبالغ المدفوعة وتغييرات في الرحلات لم يكن ينبغي الموافقة عليها.
وقال: «في قطاع حساس ومعقد مثل النقل الجوي، ربما يكون من الضروري التفكير مرتين قبل الإقدام على أي خطوة»، مؤكدا أن السلامة لا يجوز التضحية بها باسم السهولة أو الراحة، وأن على الأنظمة أن تضبط وفق قواعد واضحة مع إبقاء آليات رقابية مناسبة، وهو مبدأ ينسجم مع دعوات إرساء أطر للحكامة والأخلاقيات تضمن استخداما آمنا للذكاء الاصطناعي تمحور حول الإنسان ويحمي المواطنين.
نحو نهاية إجراءات تسجيل السفر التقليدية
من أبرز التغييرات المتوقعة خلال الأعوام المقبلة إلغاء مرحلة تسجيل السفر كإجراء مستقل، وهي عملية تعود بحسب كوبيلَي إلى زمن التذاكر الورقية حين كان ينزع جزء من التذكرة لتأكيد استخدامها.
وقال: «نريد أن نلغي تماما عملية التسجيل. تشتري التذكرة، ثم تتوجه إلى الطائرة وانتهى الأمر».
وأشار إلى مبادرة «Digital Travel Credentials» المطورة استنادا إلى معايير منظمة الطيران المدني الدولي وتروج لها الاتحاد الدولي للنقل الجوي، بهدف تسهيل استخدام بيانات الهوية الرقمية والحد من تكرار تقديم المعلومات نفسها. وأظهر بحث للاتحاد أن الراكب يضطر في المتوسط إلى الإدلاء بالمعلومات ذاتها سبع مرات خلال الرحلة الواحدة.
وتساءل كوبيلَي: «نقدم إثبات الهوية عندما نجري الحجز، وعندما نسلم الأمتعة، وعندما نصعد إلى الطائرة، وعندما نعبر الجمارك، ثم عند الهبوط. لماذا لا يمكنني القيام بذلك مرة واحدة فقط وتتولى السلطات تبادل المعلومات في ما بينها؟»، مع التأكيد على أن تقليص هذه الخطوات يجب أن يبقى منسجما مع متطلبات السلامة عبر التوقيعات الرقمية والتحقق من صحة البيانات لدى الجهات المصدرة.
توسع عالمي يعزز قابلية التشغيل البيني
تأسست «هيتيت» عام 1994 على يد امرأتين، وبدأت بحلول برامج الولاء للمسافرين قبل أن تتوسع إلى أنظمة الحجز المركزي وإصدار التذاكر وتسجيل السفر. وقالت كاراعاغاتش إن شركتها كانت تخدم 17 شركة طيران في 2018، وتقدم اليوم خدماتها لنحو 70 شركة في 47 بلدا، مع استخدام حلولها في أكثر من 900 مطار.
وقالت: «على الرغم من أن جذورنا في تركيا، فإننا أصبحنا اليوم شركة عالمية بالفعل»، مشيرة إلى أن الشركة مدرجة في بورصة إسطنبول منذ 2022.
ويرى كوبيلَي أن مستقبل التكنولوجيا في القطاع سيعتمد على أنظمة أكثر قابلية للتشغيل البيني تتيح دمج حلول من مزودين مختلفين، محذرا من مواقف تفقد فيها شركات الطيران السيطرة على بياناتها أو قدرتها على تغيير الموردين. وقال: «التكنولوجيا يجب أن تكون متوافقة مع المستقبل».
وعلى أفق الأعوام الخمسة المقبلة، يتوقع المسؤول أن يصل التحول الرقمي وتحديث الأنظمة واعتماد الذكاء الاصطناعي إلى مستوى يجعلها معيارا سائدا في القطاع، مع الحفاظ على السلامة واستمرارية العمليات وثقة الركاب.
أسئلة شائعة
ما نسبة شركات الطيران التي اتخذت خطوات ملموسة في التحول الرقمي؟
بحسب استطلاعات استشهد بها مسؤول في شركة «هيتيت»، اتخذت 27 في المئة فقط من شركات الطيران خطوات ملموسة، رغم إقرار أكثر من 72 في المئة من مسؤولي القطاع بأهمية التحول.
هل يمكن إلغاء تسجيل السفر في المطارات مستقبلا؟
نعم، بحسب كوبيلَي، عبر مبادرة «Digital Travel Credentials» المبنية على معايير منظمة الطيران المدني الدولي، شريطة تعاون كافة الجهات المعنية بالتحقق من الهوية وإجراءات الحدود والسلامة.
هل يشكل الذكاء الاصطناعي خطرا على سلامة الطيران؟
المسؤولون أنفسهم حذروا من مخاطر الاعتماد الأعمى عليه من دون ضوابط واضحة، وأكدوا أن السلامة خط أحمر لا يجوز التضحية به باسم السهولة أو الراحة.
