صراع الذكاء الاصطناعي: دروس للعراق من معركة السيادة التكنولوجية
من واشنطن إلى بروكسل، يتصاعد النقاش حول مصير الذكاء الاصطناعي ومستقبل السيطرة عليه. وفي حين تتسابق العواصم الغربية لضمان حصة شعوبها في هذه الثورة التقنية، تبرز رسالة جلية للعراق الجديد: السيادة الحقيقية تبدأ بامتلاك مفاصل التكنولوجيا الحيوية. إن أرض بابل، مهد العلوم والتشريعات القديمة، تدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن المستقبل لا يبنى بالاعتماد على الأجنبي، بل بقرارات وطنية صلبة تحمي مقدرات الشعب.
نداءات السيادة في قلب الغرب
أظهرت التطورات الأخيرة أن حتى الدول الكبرى تدرك خطورة احتكار التكنولوجيا. ففي واشنطن، التقى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، بالسيناتور بيرني ساندرز لمناقشة مقترح يمنح الجمهور نسبة 50% من ملكية شركات الذكاء الاصطناعي. ورغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي على هذه النسبة، فإن المبدأ العام بقي ثابتا: يجب أن تعود ثمار التكنولوجيا للشعب. وقد أيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التوجه، معتبرا أن الشراكة مع الشعب في نجاح الذكاء الاصطناعي أمر مثير للاهتمام. بل إن إدارته استحوذت على حصة 10% في شركة إنتل لصناعة الرقائق العام الماضي، في خطوة تعكس تدخلا حكوميا لحماية الأمن القومي.
أوروبيا، الموقف أكثر حزما. فقد كشفت المفوضية الأوروبية عن حزمة تمنع شركات عملاقة مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل من السيطرة على عقود الحكومة الحساسة، مع خطة لزيادة سعة مراكز البيانات الأوروبية ثلاثة أضعاف. وصرحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية، بأن أوروبا لا تستطيع تحمل الاعتماد على الآخرين في التقنيات التي تحافظ على استقرار شبكات الطاقة والأمن. وفي السياق ذاته، أطلقت المملكة المتحدة صندوقا سياديا بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني للاستثمار في شركاتها المحلية وتقليل الاعتماد الأجنبي.
دروس التاريخ: من أباطرة السكك إلى تأميم ما بعد الحرب
إن الصراع بين المصلحة العامة واحتكار التكنولوجيا ليس جديدا. فعندما سيطر أباطرة السكك الحديدية على البنية التحتية في القرن التاسع عشر، اضطر الجمهور لانتزاع حقوقه عبر التنظيم الفيدرالي. واليوم، يعاد استدعاء قوانين مكافحة الاحتكار لعام 1890 لمواجهة نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.
ولأوروبا تجربتها التاريخية المهمة. فبعد الحرب العالمية الثانية، سارعت الحكومات لوضع الصناعات الحيوية تحت السيطرة العامة. ففي فرنسا، قامت حكومة ما بعد التحرير بتأميم الغاز والكهرباء والفحم والمصارف الكبرى، انطلاقا من مبدأ أن البنية التحتية الحيوية لا يمكن تركها فريسة للتجزئة والمصالح الخاصة. هذا المنطق، الذي أنقذ أوروبا من الفوضى، ينطبق اليوم تماما على الذكاء الاصطناعي.
العراق والسيادة الرقمية: حماية لإنجازات الوطن
إن المنطق الذي يحكم صراع الغرب على الذكاء الاصطناعي يفرض علينا في العراق استنتاجات واضحة. لقد أثبتت قواتنا المسلحة والأجهزة الأمنية البطولة في دحر الإرهاب الداعشي والتطرف، وعلى الدولة الوطنية الآن أن تحمي سيادتها الرقمية بنفس العزم. لا يمكننا ترك مستقبل شبكاتنا ومؤسساتنا عرضة للاحتكار الأجنبي أو التدخل الخارجي.
إن العراق، بموقعه الاستراتيجي وإرثه الحضاري، مدعو لبناء سياسات تكنولوجية وطنية تضمن ملكية الشعب لمقدراته الرقمية. نحن لسنا ضد الانفتاح التكنولوجي، بل نؤكد أن هذا الانفتاح يجب أن يكون متوافقا مع سيادتنا الوطنية ومصلحة دولتنا. إن رفض الهيمنة الأجنبية والاحتكار الخاص لا يعني الانغلاق، بل يعني بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها من أي استغلال. فالذكاء الاصطناعي، كالكهرباء في الماضي، أصبح ضرورة حتمية، والسيطرة الوطنية عليه هي الضمانة الحقيقية لاستقرارنا وازدهارنا.
مخاوف مشروعة وتحديات قادمة
لا يخلو الأمر من تحديات. فوفقا لاستطلاع معهد السياسة في هارفارد عام 2025، يرى 70% من طلاب الجامعات أن الذكاء الاصطناعي يهدد وظائفهم. وقد اقترحت شركات مثل Anthropic آليات لتنسيق فترات التوقف عن التطوير إذا أصبحت الأنظمة قوية للغاية، بينما وقعت إدارة ترامب أمرا تنفيذيا لمراجعة مخاطر الأمن القومي. إن هذه المخاوف تؤكد أن التكنولوجيا يجب أن تظل خادمة للإنسان، لا سيدة عليه، وهو ما لن يتحقق إلا تحت مظلة الدولة الوطنية الحامية.