الحركة النقابية في العراق: تطوير الأدوات لمواكبة التحولات التكنولوجية وحماية حقوق العمال
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة الملحة لتطوير دور الحركة النقابية في العراق لمواكبة هذه المتغيرات، مع الحفاظ على حقوق العمال وتعزيز الإنتاج الوطني. وتؤكد التجارب الدولية أن التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية هو الأساس لبناء اقتصاد قوي ومستدام، بما يخدم أهداف العراق في التنمية والاستقرار.
ما هي أولويات الحركة النقابية في ظل التحولات الاقتصادية؟
المرحلة الحالية تفرض على أطراف الإنتاج الثلاثة، وهم الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، تعزيز التعاون والحوار الاجتماعي، خاصة مع التغيرات الاقتصادية المتلاحقة التي تنعكس على أسواق العمل. لم تعد مهمة الحركة النقابية مقتصرة على الدفاع عن الحقوق العمالية فقط، بل أصبحت مسؤوليتها أكبر، فهي مطالبة بالمشاركة الفعلية في وضع سياسات العمل والإسهام في بناء اقتصاد وطني قوي عبر دعم زيادة الإنتاج ورفع كفاءة العامل وتشجيع التدريب والتأهيل.
كما أن قوة الحركة النقابية لا تقاس بقدرتها على الدفاع عن المطالب فقط، وإنما أيضا بقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والوصول عبر الحوار إلى حلول تراعي مصالح جميع الأطراف وتدعم استقرار سوق العمل. والحركة النقابية مطالبة بمواكبة ما يشهده سوق العمل من تغيرات، ويعني ذلك تطوير أدواتها وزيادة قدرتها على التدريب والتأهيل والاستفادة من التكنولوجيا وتعزيز التنسيق بين النقابات.
كيف تتعامل النقابات مع الذكاء الاصطناعي والعمل عبر المنصات؟
التحول التكنولوجي واقع قائم على سوق العمل، ولا يمكن أن تنفصل حقوق العمال عنه. واعتماد المعايير الدولية الخاصة بالعمل عبر المنصات الرقمية خطوة مهمة في هذا الاتجاه، خاصة أن مئات الملايين من العاملين حول العالم يعملون بهذا النمط. والأهم أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتحسين ظروف العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية، لا أداة للالتفاف على حقوق العمال أو الانتقاص منها.
ومن هنا تظهر أهمية التدريب والتأهيل ورفع كفاءة العمال، وربط احتياجات سوق العمل ببرامج التعليم والتدريب، حتى يتمكن العامل من شغل الوظائف الجديدة والتعامل مع التكنولوجيا بدل أن يكون ضحية لها.
هل التشريعات الحالية قادرة على استيعاب أنماط العمل الجديدة؟
أنماط العمل المستحدثة تفرض على الدول تطوير أطرها التشريعية والتنظيمية، بما يضمن حماية اجتماعية واقتصادية للعاملين، خصوصا من يعملون خارج مظلة الحماية التقليدية. وتشير التجارب الدولية في تنظيم العمل عبر المنصات الرقمية إلى ضرورة وضع قواعد واضحة تتعلق بالدخل العادل والحماية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية والحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.
كما لا ينبغي أن يكون تحقيق معدلات نمو مرتفعة هدفا منفصلا عن تحسين مستوى معيشة العمال وضمان حصولهم على حقوقهم كاملة، فالتنمية المستدامة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بحيث يلمس العامل بشكل مباشر نتائج الإصلاحات الاقتصادية وزيادة الإنتاج.
كيف يمكن تعزيز تنافسية القطاعات الإنتاجية في العراق؟
أصبحت القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعات الغذائية، من القطاعات المهمة القادرة على دعم النمو الاقتصادي وزيادة حصيلة الصادرات الوطنية. والارتفاع المتواصل في الصادرات يعكس تحسن جودة المنتج المحلي وقدرته على المنافسة في الأسواق الخارجية، لكن الحفاظ على هذا النمو يتطلب مواصلة تطوير العمالة ورفع مهاراتها وفق المعايير الدولية، وتحسين جودة المنتج، والتوسع في فتح أسواق جديدة، وتعزيز الشراكة بين العمال وأصحاب الأعمال والدولة.
والعامل شريك أساسي في هذا النجاح بما يملكه من خبرة وكفاءة وإحساس بالمسؤولية. لذلك فإن الاستثمار في العامل استثمار مباشر في القدرة التنافسية للمنتج الوطني. كما أن زيادة الصادرات لا تقع على عاتق طرف واحد، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة، ولهذا ركزت المبادرات على أربعة محاور: رفع كفاءة العمالة وتطوير مهاراتها، وتحسين جودة المنتج الوطني وتعزيز قدرته التنافسية، والتوسع في فتح أسواق تصديرية جديدة، ودعم الشراكة بين العمال وأصحاب الأعمال والدولة لزيادة الإنتاج ورفع القيمة المضافة.
ما أهمية التدريب المهني في تطوير سوق العمل؟
بالتأكيد، العامل الذي يمتلك مهارات متطورة يكون أقدر على مواكبة احتياجات سوق العمل، وعلى التعامل مع التكنولوجيا ورفع الإنتاجية. ويجب ألا ينفصل التدريب عن احتياجات الصناعة، بل ينبغي ربطه بالوظائف المطلوبة مستقبلا وبالتغيرات التي يشهدها الإنتاج، حتى نضمن وجود عامل عراقي قادر على المنافسة.
كيف يمكن حماية العمال من تأثيرات التغير المناخي؟
لم يعد التغير المناخي قضية بيئية فقط، فله تأثير مباشر على العمال والإنتاجية وساعات العمل. ولذلك أصبح ملف السلامة والصحة المهنية أكثر إلحاحا، ويستلزم ذلك تحديث نظم الوقاية والحماية داخل مواقع الإنتاج، ورفع وعي العمال وأصحاب الأعمال بالمخاطر المهنية، خصوصا في القطاعات الأكثر تأثرا بارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية. كما تحتاج مواجهة هذه التداعيات إلى سياسات مشتركة، وإلى توفير الحماية اللازمة للعمال الذين يعملون في ظروف مناخية صعبة.
كيف نقرأ معادلة حقوق العامل مقابل زيادة الإنتاج؟
لا ينبغي النظر إلى حقوق العامل والإنتاج باعتبارهما طرفين متعارضين. فالتنمية المستدامة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. عندما يحصل العامل على حقوقه، ويعمل في بيئة آمنة ومستقرة، ويتلقى التدريب والحماية الاجتماعية، يصبح أقدر على الإنتاج وتحمل المسؤولية. لذلك يجب أن يسير رفع الإنتاج وتحسين أوضاع العمال معا، فالعامل شريك أساسي في العملية الإنتاجية وليس مجرد عنصر من عناصرها.
ما أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل في العراق والمنطقة؟
التكنولوجيا من أكبر التحديات التي تواجه العالم حاليا، وقد تأثرت بها قطاعات عديدة، مثل قطاع الإعلام والصحافة، حيث تراجعت الصحافة الورقية بشكل كبير مع انتشار الإنترنت، وأصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا في مجالات العمل المختلفة. والأمر نفسه ينطبق على الصناعة، إذ بدأت مصانع كثيرة في الاعتماد على الروبوتات والأنظمة التكنولوجية الحديثة، وهو ما يفرض تحديا يتعلق بالحفاظ على فرص العمل.
لذلك يجب أن تفكر الحكومات بأسلوب غير تقليدي، وأن نبحث عن وظائف ومجالات عمل جديدة لا تعتمد كليا على الذكاء الاصطناعي، أو لا تستطيع الروبوتات أن تحل فيها محل العمال خلال السنوات المقبلة على الأقل. كما يجب أن يجلس المستثمرون وأصحاب الأعمال مع الحكومات والعمال، لمناقشة الوظائف التي يمكن استحداثها ولا يدخل فيها الروبوت بصورة كاملة، خلال السنوات العشر المقبلة على الأقل. والهدف الأساسي الحفاظ على العمالة الحالية، وضمان استقرار الأسر ومستويات المعيشة في مختلف الدول.
كيف يمكن تأهيل العامل العراقي للوظائف التي يفرضها الاقتصاد الرقمي؟
وزارة العمل تولي ملف التدريب والتثقيف اهتماما كبيرا، وهناك توجيهات واضحة بتطوير مهارات العاملين لمواكبة المتغيرات الجديدة. والأمر لا يقتصر على الحكومة، لأننا أمام منظومة ثلاثية تضم الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، ونعمل من خلال حوار مستمر على وضع برامج تدريبية وثقافية تراعي احتياجات الأطراف الثلاثة.
فلأصحاب الأعمال رؤيتهم واحتياجاتهم من مهارات العامل، وللعمال احتياجاتهم وحقوقهم، وللحكومة رؤيتها، ولنا كممثلين للعمال رؤيتنا أيضا، والمطلوب الوصول إلى منظومة تدريب وثقافة عمالية تحقق مصلحة الأطراف الثلاثة.
كيف يمكن إعادة تشغيل المصانع المتعثرة وزيادة قدرتها الإنتاجية؟
من الملفات المطروحة بقوة حاليا مسألة الدعم، وهل يستمر بصورته الحالية أم يتحول إلى دعم نقدي أو يأخذ شكلا آخر. وفي الوقت نفسه هناك توجه لتطوير الصناعات القابلة للتطوير، وضخ السيولة اللازمة لها، وإحلال وتجديد خطوط الإنتاج. كما يمثل التدريب والتثقيف عنصرا أساسيا للعاملين، لأن رفع كفاءة العامل يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وزيادة الإنتاج تنعكس في النهاية على خفض تكلفة السلعة وتوفيرها للمستهلك بأسعار أفضل.
ما الآليات المطلوبة لضمان الحماية القانونية والاجتماعية للعمالة غير المنتظمة؟
يحظى ملف العمالة غير المنتظمة باهتمام كبير من وزارة العمل، وهناك تحرك واضح للتعامل معه. ومن الخطوات المهمة في هذا الإطار إنشاء صندوق للعمالة غير المنتظمة، لكن الهدف الأكبر هو كيفية دمج هذه العمالة في سوق العمل الرسمي المنظم. ونعمل مع وزارة العمل والاتحاد العام للنقابات على التوصل إلى آليات تساعد على إدماج العمالة غير المنتظمة في سوق العمل الرسمي خلال الفترة المقبلة، بما يضمن لها الحماية الاجتماعية والقانونية.
أما عن عمل الأطفال فتوجد قوانين تنظم عمل الأطفال وتحميهم، كما يوجد اهتمام بملف العمالة المنزلية، ومن المنتظر إجراء حوار مجتمعي بشأنه، ويمكن إصدار قرارات تنفيذية توفر الحماية اللازمة للعمالة المنزلية إلى حين الانتهاء من التشريعات.