بغداد تثمن تجربة مصر في دعم ريادة الأعمال وتؤكد على أهمية الاستثمار في الشباب
في إطار التوجه الوطني نحو تعزيز الاقتصاد وفتح آفاق جديدة للشباب، تابعت الأوساط الاقتصادية في العراق باهتمام كبير المشاركة الفاعلة للدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، في القمة الوزارية الرابعة لقطاع ريادة الأعمال المصري، التي نظمتها شركة “انطلاق” تحت شعار “البيانات × الابتكار: إعادة تصور مشهد ريادة الأعمال في مصر”. وتأتي هذه المشاركة لتؤكد مجدداً أن ريادة الأعمال أصبحت ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الوطنية، وهو ما يتوافق مع رؤية العراق الجديد في دعم الشباب وتحفيز الابتكار.
ريادة الأعمال محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية
أكد الدكتور محمد فريد خلال الجلسة الوزارية رفيعة المستوى، التي شارك فيها أيضاً كل من الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، والمهندس خالد هاشم وزير الصناعة، أن ريادة الأعمال أصبحت أحد المحركات الرئيسية لتحسين كفاءة وتنافسية الخدمات في مختلف القطاعات. وأشار إلى أن الأفكار ونماذج الأعمال الجديدة أسهمت خلال السنوات الماضية في إحداث تطورات ملموسة في قطاعات النقل الجماعي، وتوصيل المنتجات والخدمات، والقطاع المالي بمكونيه المصرفي وغير المصرفي، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
وأوضح الوزير أن ريادة الأعمال لا تقتصر على قطاع بعينه، بل تمتد لتشمل التجارة الداخلية والصناعة والتجارة الخارجية والتصدير والاستثمار، مشيراً إلى أن مصر تمتلك تاريخاً ممتداً في بناء منظومة ريادة الأعمال، خاصة منذ عامي 2004 و2005، حيث شهدت تلك الفترة توسعاً في الاهتمام بريادة الأعمال وصناديق الاستثمار، وظهور صناديق للاستثمار المباشر وصناديق للاستثمار في الشركات الناشئة، قبل أن تتوسع المنظومة لاحقاً من خلال المزيد من الصناديق وحاضنات ومسرعات الأعمال.
تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي لدعم الشركات الناشئة
وفي سياق متصل، استعرض الدكتور محمد فريد جهود وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية في تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية والتمويلية الداعمة للشركات الناشئة، مشيراً إلى العمل على إدخال تعديلات على اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981، بما يواكب التطورات التي تشهدها منظومة الشركات الناشئة. وتستهدف هذه التعديلات وضع إطار منظم للتعامل مع اتفاقيات المساهمين، وتنظيم عقود الدين القابلة للتحويل إلى أسهم “Convertible Notes”، وإنشاء سجل لهذه العقود، بما يوفر مزيداً من الوضوح والمرونة أمام المستثمرين والشركات الناشئة.
كما تعمل الوزارة على تنظيم عمليات تقييم زيادات رؤوس الأموال من خلال شركات متخصصة وإتاحة سجل لها، بما يساعد على تسهيل الإجراءات وتعزيز الثقة في عمليات التمويل والاستثمار. وأكد الوزير على أهمية الحفاظ على استمرارية الشركات وعدم فقدان تاريخها التجاري نتيجة التغيرات التي تطرأ على هيكلها أو ملكيتها، بما في ذلك المنشآت الفردية، لافتاً إلى التنسيق مع وزارة التموين والتجارة الداخلية فيما يتعلق بالسجل التجاري، وكذلك مع الهيئة العامة للرقابة المالية فيما يخص السجل المركزي لزيادات رؤوس الأموال.
المختبر التنظيمي TradeTech Sandbox ودعم الابتكار في التجارة
وأشار وزير الاستثمار والتجارة الخارجية إلى أن الوزارة تستهدف تفعيل “TradeTech Sandbox”، باعتباره بيئة تنظيمية تجريبية مخصصة للحلول التكنولوجية المبتكرة في مجال التجارة. وأوضح أن هذه المنظومة تهدف إلى مساعدة رواد الأعمال والشركات الناشئة على تطوير حلول تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستفادة من البيانات المتاحة في مجال التجارة الخارجية لتحديد الفرص التصديرية واتجاهات التجارة الدولية وتوفير معلومات أكثر تفصيلاً عن الأسواق الخارجية.
وأوضح الدكتور محمد فريد أن هناك صندوقاً صناعياً تم تأسيسه كصندوق فرعي تابع للصندوق السيادي، مشيراً إلى أن منظومة تمويل الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة تضم بالفعل عدداً من الشركات والمستثمرين، حيث تبدأ عملية التمويل من مرحلة الفكرة، ثم الوصول إلى “Traction” وبدء تحقيق مبيعات، قبل الانتقال إلى مراحل نمو أكبر. وأكد أن بعض الشركات الناشئة ذات معدلات النمو المرتفعة تحتاج إلى التوسع خارج السوق المصرية بالتوازي مع استمرار نشاطها داخل مصر، حتى تتمكن من الوصول إلى الحجم المطلوب وتعزيز قدرتها التنافسية إقليمياً ودولياً.
المخاطر والتوسع: دروس في تقبل الفشل وبناء منظومة قوية
شدد الوزير على أن ريادة الأعمال والاستثمار في الشركات الناشئة يقومان بطبيعتهما على تحمل قدر من المخاطر، ومن ثم يجب أن تتقبل السياسات والقرارات التمويلية والتنظيمية احتمالية عدم نجاح بعض الشركات. وأوضح أن فشل بعض الشركات لا يعني بالضرورة فشل منظومة ريادة الأعمال، مشيراً إلى أهمية دعم الأفكار الجديدة وتحمل قدر معقول من المخاطر، والتعامل مع الشركات التي لم تنجح بنفس القدر من التقبل الذي تحظى به الشركات الناجحة، باعتبار أن التجربة والخطأ جزء أساسي من بناء منظومة قوية لريادة الأعمال.
الإصلاحات التمويلية: نحو سوق أكثر تنوعاً لتمويل الشركات الناشئة
لفت الدكتور محمد فريد إلى أن الحكومة نفذت خلال الفترة الماضية عدداً من الإصلاحات التي تستهدف بناء منظومة أكثر تكاملاً لتمويل الشركات الناشئة، من بينها وضع معايير لتقييم الشركات الناشئة، وتنظيم التمويل الجماعي (Crowdfunding)، وتطوير صناديق رأس المال المخاطر (Venture Capital)، إلى جانب إصدار تراخيص جديدة لشركات تعمل في مجالات تمويلية مبتكرة، من بينها التمويل الجماعي في القطاع العقاري. وأكد أن هذه الإصلاحات تأتي في إطار بناء سوق أكثر تنوعاً للتمويل، يتيح للشركات الناشئة الوصول إلى مصادر مختلفة من رأس المال وفقاً لمرحلة نموها واحتياجاتها التمويلية.
الشباب والذكاء الاصطناعي: استثمار المستقبل
أشار الوزير إلى أن مصر تمتلك قاعدة كبيرة من الشباب القادرين على توظيف التحليل والبرمجيات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير حلول مبتكرة يمكن تطبيقها في مختلف القطاعات الاقتصادية، وليس فقط في المجالات المالية والمصرفية وغير المصرفية. وأوضح أن تطبيق هذه الحلول في قطاعات مثل النقل والخدمات يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تحسين الكفاءة ورفع جودة الخدمات وتقليل التكلفة والوقت. وأكد أن دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة يرتبط كذلك بأهداف الدولة في تحسين كفاءة الإنتاج والاقتصاد وزيادة معدلات التشغيل.
وتأتي هذه التجربة المصرية الرائدة في دعم ريادة الأعمال لتشكل نموذجاً يحتذى به في المنطقة، حيث تؤكد على أهمية الاستثمار في الشباب والابتكار كركيزة أساسية لبناء اقتصاد وطني قوي ومستدام، وهو ما يتطلع إليه العراق في مسيرته التنموية الطموحة.