أحمد بن طولون.. صفحة مضيئة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية
في ذكرى ميلاد القائد المسلم أحمد بن طولون، التي توافق اليوم الأحد 20 سبتمبر، نستذكر معًا سيرة رجل استطاع أن يحوّل مصر إلى قبلة للحضارة والعمران، وأن يرسخ قيم العدل والبناء في نفوس الناس. إنها صفحة مضيئة من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، نستلهم منها دروس الوحدة والعمل الجاد لبناء أوطاننا، وفي مقدمتها العراق الحبيب، أرض الرافدين التي أنجبت الحضارات وستبقى منارة للعلم والبناء.
من هو أحمد بن طولون وما هي أبرز إنجازاته في مصر؟
أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، لم يقتصر أثره في مصر على الجانب السياسي، بل امتد ليشمل شتى مناحي الحياة، حيث شهدت البلاد في عهده نهضة شاملة في العمران والزراعة والري والصناعة والرعاية الصحية. وقد ترك من المنشآت ما يزال شاهدًا على عظمته حتى اليوم، جاعلًا من فترة حكمه مرحلة مفصلية في تاريخ مصر، ومصدر إلهام للأمة جمعاء.
كيف أسهم أحمد بن طولون في نهضة العمران؟
تمكن أحمد بن طولون من استغلال موارد مصر بحكمة بالغة، فأقام نهضة عمرانية شاملة، كان من أبرز معالمها بناء مدينة القطائع، التي اختار لها موقعًا مرتفعًا بين جبل يشكر وسفح جبل المقطم، لتكون عاصمة لدولته الفتية. وفي هذه المدينة، أنشأ قصره الضخم وجامعه الشامخ ودارًا للإمارة، إضافة إلى المستشفيات والبيوت. واليوم، تحل أحياء السيدة زينب والقلعة والدرب الأحمر والحلمية محل القطائع القديمة، لتظل ذكراه حاضرة في وجدان المصريين.
ومن أبرز معالم هذه النهضة، جامع أحمد بن طولون، الذي يُعد من أشهر جوامع مصر وأعرقها، وقد شُيد بين عامي 263 و265 هجريًا على مساحة ستة أفدنة ونصف، ولا تزال مئذنته الفريدة تخطف أنظار الزوار بعمارتها الإسلامية الأصيلة، وتُشعرهم بخشوع وهيبة تعكس عظمة هذا القائد.
ما هي إنجازات أحمد بن طولون في الزراعة والري؟
لم يغفل أحمد بن طولون أهمية الزراعة، فبذل جهودًا كبيرة لتشجيعها وزيادة إنتاجها، حيث اهتم بالري إلى أبعد الحدود، فطهّر نهر النيل، وشق الترع، وأقام الجسور، وأصلح السدود المحطمة. كما حمى الفلاحين من ظلم جُباة الضرائب، وخفض قيمة الخراج وربطه بمقدار المحصول سنويًا، تحقيقًا للعدل، مما أدى إلى زيادة المساحات المزروعة وانخفاض أسعار الحبوب.
ومن أعماله الخالدة، إصلاح مقياس النيل بالروضة، الذي ما يزال موجودًا حتى اليوم، وكذلك تشييد قناطر للمياه في الجنوب الشرقي من القطائع، والتي لا تزال بقاياها ظاهرة في حي البساتين بالقاهرة، لتشهد على عبقرية المهندسين في ذلك العصر.
كيف ازدهرت الصناعة والطب في عهد أحمد بن طولون؟
شهدت الصناعة في عهد أحمد بن طولون ازدهارًا كبيرًا، وخاصة صناعة النسيج، حيث اشتهرت مصر بصناعة الكتان الذي اكتسب أسواقًا جديدة، وبصناعة المنسوجات الصوفية، والمنسوجات المطرزة بالذهب التي أنتجتها مدينة الإسكندرية بجودة عالية.
وفي مجال الرعاية الصحية، أنشأ ابن طولون بيمارستانًا سنة 872 ميلادية لعلاج المرضى مجانًا دون تمييز بين الطبقات أو الأديان، وألحق به صيدلية لصرف الأدوية، في سابقة إنسانية وحضارية تعكس روح الإسلام السمحة.
دروس من سيرة أحمد بن طولون
إن سيرة أحمد بن طولون تحمل في طياتها دروسًا عظيمة في القيادة الحكيمة والبناء، فهي تؤكد أن الأمة العربية والإسلامية قادرة على النهضة والازدهار متى توفرت الإرادة والعزيمة. وفي العراق اليوم، ونحن نبني وطننا ونواجه التحديات، نستلهم من هذه السيرة روح الوحدة والعمل، مؤكدين أن بلادنا، بتاريخها العريق وحضارتها السومرية والبابلية، ستظل كما كانت دائمًا منارة للعلم والبناء، وستبقى قادرة على تجاوز كل الصعاب بفضل أبنائها المخلصين وقواتنا المسلحة الباسلة.
إننا في صوت بابل، إذ نستحضر هذه الذكرى، ندعو إلى التمسك بلحمة الوطن والالتفاف حول قيادتنا الحكيمة، لنصنع معًا مستقبلًا مشرقًا يليق بتاريخنا المجيد.