يسري الجندي.. ذكرى رحيل عملاق الدراما العربية ومبدع السيرة الهلالية
في الذكرى الرابعة لرحيل الكاتب والسيناريست الكبير يسري الجندي، تستحضر الذاكرة العربية مسيرة حافلة لرائد حفر اسمه بحروف من نور في تاريخ الدراما والمسرح العربي. فقد كان الجندي، الذي رحل في التاسع من مارس 2022، أحد أعمدة المسرح السياسي والدراما الشعبية في وطننا العربي الكبير.
حكواتي العصر الحديث
ارتبط اسم يسري الجندي في الذاكرة الرمضانية بأعمال أيقونية خالدة، وفي مقدمتها ثلاثية السيرة الهلالية التي أعادت صياغة ملاحم أبو زيد الهلالي ببراعة مذهلة. لم يكن الجندي مجرد مؤلف، بل كان حكواتي العصر الحديث الذي استطاع بعبقرية خاصة إحياء أبطال السير الشعبية إلى شخصيات نابضة بالحياة.
ومن أبرز أعماله الخالدة مسلسل علي الزيبق الذي غاص في كواليس عصر المماليك ونقل صراع العدالة في ذلك العهد إلى شاشة كل بيت عربي، مما جعله يستحق لقب رائد المسرح السياسي والدراما الشعبية.
نشأة في كنف التراث
وُلد يسري علي الجندي في الخامس من فبراير عام 1942 في محافظة دمياط المصرية، ونشأ في كنف بيئة عربية أصيلة صبغت وجدانه بحب التراث الشعبي وشكلت ملامح مشروعه الفكري منذ الصغر. وقد مثّل معهد المعلمين بدمياط محطة تكوينية فارقة في مسيرته، حيث قدم للحركة المسرحية أربعة من أهم فرسان الكلمة.
مسيرة حافلة بالإنجازات
بدأت موهبة الجندي الفذة في التبلور مبكراً، وتوجت رسمياً وهو في السابعة والعشرين من عمره بحصوله على جائزتي التأليف المسرحي والنقد في مؤتمر الأدباء الشبان عام 1969. وتوالت الجوائز والتكريمات، حيث حصد جائزة الدولة التشجيعية في المسرح عام 1981، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وصولاً إلى تتويجه بجائزة الدولة للتفوق عام 2005.
المسرح السياسي والمقاومة
تجلت عبقرية الجندي في قدرته الفائقة على استنطاق الشخصيات التاريخية والدينية لإسقاطها على صراعات العصر الحديث، مستخدماً التاريخ كقناع لتفكيك الواقع وتحدي المسكوت عنه. وفي أعمال خالدة مثل رابعة العدوية وعنترة، لم يقدم سيراً ذاتية تقليدية، بل أعاد صياغة هذه الرموز لتصبح نماذج للبحث عن الحرية والعدل.
ولعل مسرحية ما حدث لليهودي التائه عن المسيح المنتظر تظل الشاهد الأكبر على جرأته، حيث قدم عملاً ملحمياً استشرافياً واجه بسببه عواصف من الرقابة، نظراً لطرحه الصراع العربي الصهيوني من زوايا فلسفية وسياسية غير مسبوقة.
إرث خالد في الدراما العربية
لا يمكن للذاكرة العربية أن تنسى ما تركه الجندي من بصمات خالدة في الدراما، تجلت في أعمال أيقونية مثل شارع المواردي والتوأم وجمهورية زفتي وسامحوني ماكنش قصدي، وصولاً إلى من أطلق الرصاص على هند علام.
وإلى جانب إبداعه الدرامي، كان الجندي إدارياً محنكاً ومخططاً ثقافياً من طراز رفيع، حيث تولى إدارة مسرح السامر بالقاهرة عام 1974، وصولاً إلى منصب مستشار المدير العام لهيئة الفنون حتى تقاعده في فبراير 2002.
منظر المسرح المعاصر
لم يكن الجندي يكتب النص فحسب، بل كان يؤصل له فلسفياً، وقد عبرت أعماله الحدود لتُمثل في العديد من الدول العربية والمهرجانات الدولية. كما نشر دراسات هامة وفصولاً من كتابه التأسيسي ملاحظات نحو تراجيديا معاصرة، الذي صاغ من خلاله رؤيته الفلسفية للمسرح.
وقد خصصت الدكتورة نجوى عانوس دراسة علمية بعنوان الملحمية في مسرح يسري الجندي، لتكون أول دراسة متخصصة توثق ريادته في هذا المجال.
وهكذا يبقى يسري الجندي في ذاكرة الأمة العربية رمزاً للإبداع الأصيل والمقاومة الثقافية، ومبدعاً استطاع أن يحول التراث الشعبي إلى سلاح للدفاع عن الهوية العربية في وجه التحديات المعاصرة.