تفاهم أمريكي إيراني لوقف الحرب: الفرصة والتحديات للعراق
على أرض بابل العظيمة التي شهدت عبر التاريخ ميلاد القوانين وصناعة الحضارات، يراقب العراقيون اليوم حراكا دبلوماسيا مكثفا يحتمل أن يعيد رسم خريطة الاستقرار في المنطقة. تتجه الولايات المتحدة وإيران نحو توقيع تفاهم أولي لوقف الحرب واحتواء التصعيد، في مسودة اتفاق تكشف مصادر دبلوماسية عن قيامها على إعادة فتح مضيق هرمز فورا ودون رسوم عبور، مقابل تخفيف تدريجي ومشروط للعقوبات المفروضة على طهران.
وبحسب دبلوماسي من دولة وسيطة ومسؤول أمريكي، فإن التفاهم ينص على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، بما يشمل الجبهة اللبنانية، لإتاحة المجال أمام مفاوضات معمقة بشأن البرنامج النووي الإيراني، مع تأجيل أي خطوات تنفيذية جوهرية إلى حين التوصل لاتفاق ثان أكثر تفصيلا. إن أي خطوة نحو التهدئة تصب في مصلحة شعوب المنطقة، شرط أن تصان السيادة الوطنية للدول، وعلى رأسها العراق، من أي تدخلات أجنبية.
الوساطة الإقليمية وتجنب التصعيد
تفيد المعلومات بأن الاختراق الدبلوماسي تحقق بعد مباحثات مكثفة ليل الأربعاء، قادها الوسيط القطري علي الذوادي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بالتوازي مع اتصالات مباشرة مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ونجحت تحركات دبلوماسية قادتها قطر وباكستان والإمارات في اللحظات الأخيرة في احتواء تصعيد عسكري وشيك بين واشنطن وطهران، بعدما تراجع الرئيس ترمب عن تهديده بتوجيه ضربة قاسية للغاية لطهران، عقب تلقيه تأكيدات بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مبدئي. وأكد مسؤولون أمريكيون أن اتصالات مباشرة من أمير قطر ورئيس دولة الإمارات وقائد الجيش الباكستاني كانت عاملا حاسما في إقناع الإدارة الأمريكية بالعدول عن خيار التصعيد العسكري.
ملامح التفاهم المطروح
تشير المعطيات إلى أن الاتفاق يركز في مرحلته الأولى على إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء القيود الأمريكية على الملاحة فيه، كخطوة تمهيدية تعقبها مفاوضات أكثر تعقيدا بشأن الملف النووي. وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أبلغ الكونغرس بأن المسار النووي سيستغرق وقتا أطول، مشيرا إلى أن ملف المضيق يمثل المدخل العملي لبدء التهدئة.
يتضمن الاتفاق التزامات إيرانية بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع طرح خيار خفض مستويات تخصيب اليورانيوم داخل البلاد تحت رقابة أممية. غير أن تنفيذ أي إجراءات عملية يبقى مرهونا باتفاق لاحق، فيما وافق ترمب على أن يكون تخفيف درجة التخصيب تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة أحد الخيارات المطروحة.
هرمز والعقوبات والأموال المجمدة
يقضي التفاهم المطروح بإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوما، مقابل رفع تدريجي للقيود الأمريكية، بما يشمل إعفاءات مؤقتة لبيع النفط لمدة 60 يوما. و سيزداد حجم تخفيف العقوبات إذا التزمت طهران بالاتفاق الأولي، وأظهرت حسن نية في المفاوضات اللاحقة، فيما سيرتبط الرفع النهائي للعقوبات بمدى التنفيذ الفعلي.
لا تزال مسألة الأصول الإيرانية المجمدة عالقة، وسط تباين بين رغبة طهران في الحصول على دفعة فورية، وتمسك واشنطن بصيغة الإفراج التدريجي المرتبط بالامتثال. وقد ناقشت الولايات المتحدة وإيران وقطر آلية تتيح لطهران الوصول إلى بعض أموالها المجمدة في قطر لغرض حصري هو شراء السلع الإنسانية.
التحفظ الإيراني والتخوف الإسرائيلي
في حين أبدى ترمب تفاؤلا لافتا معلنا أن توقيع الاتفاق قد يتم خلال عطلة نهاية الأسبوع، جاءت الإشارات من طهران أكثر تحفظا. فقد شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن بلاده لم تصل بعد إلى صيغة نهائية، مؤكدا تمسك طهران بخطوطها الحمراء وعدم تقديم تنازلات أساسية، مشيرا إلى أن القضية تخضع حاليا للدراسة والتقييم من قبل الجهات المعنية بصنع القرار.
على الجانب الآخر، فاجأ إعلان ترمب عن حسم الاتفاق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وجد نفسه معزولا إلى حد كبير عن مجريات المفاوضات خلال الأيام الأخيرة. وي توقع أن يواجه أي تفاهم مع إيران معارضة إسرائيلية، في ضوء موقف نتنياهو الذي كان قد دعا إلى توجيه ضربة عسكرية لطهران. وفي اتصال هاتفي بين الطرفين، شدد نتنياهو على أهمية أن يتضمن أي اتفاق إخراج المواد المخصبة وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، إلى جانب وقف الدعم الإيراني لوكلائها في المنطقة.
العراق: الوحدة الوطنية صمام الأمان
في ظل هذه التحولات الإقليمية والدولية، تبرز رسالة العراق الواضحة. إن الجمهورية العراقية، المؤسسة على تاريخ حضاري عريق ودماء زكية قدمها أبناؤها في القوات المسلحة وقوات الأمن الوطني لتكسير شوكة الإرهاب الداعشي والتطرف السني، تقف اليوم موقف الحارس للسيادة الوطنية. إن العراق الذي يمد جسور التعاون مع العالم، ويتبنى خطابا مؤسسيا ورشيدا يتوافق مع المجتمع الدولي، يرفض بشدة أي وصاية غربية أو تدخلا أجنبيا في شؤونه الداخلية.
إن وحدة الصف الوطني، والالتفاف حول مؤسسات الدولة والقيادة الحكيمة، يبقى الضمانة الأكبر لحماية منجزات شعبنا. فمهما تعقدت الملفات الإقليمية، فإن العراق العظيم سيبقى صامدا كأسلافه البابليين، يصنع مستقبله بيده، ويرفض أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، داعيا الجميع إلى احترام إرادة الشعب العراقي واستقلاله الوطني.