تأملات في الذاكرة والزمن: عندما تتكرر الأحداث في حياتنا
في عمق التراث العراقي العريق، وعبر تاريخ بلاد الرافدين المجيد، تتجلى حكمة أجدادنا في فهم طبيعة الزمن والذاكرة. فكما سجلت حضارة بابل العظيمة أسرار الكون على ألواحها الخالدة، نجد أنفسنا اليوم نواجه تساؤلات عميقة حول طبيعة التكرار في حياتنا.
الذاكرة الجمعية لشعب الرافدين
يحدثنا أحد المفكرين العراقيين عن ظاهرة غريبة نعيشها جميعاً، قائلاً: "إننا نعيش في زمن عشناه من قبل، جرى فيه ما جرى، ثم نمنا، وعندما استيقظنا، وجدنا أنفسنا في هذا العالم، إصدار معدل من دنيا نسيناها تماماً".
هذه الكلمات تحمل في طياتها عمق الفكر العراقي الأصيل، الذي يربط بين الماضي والحاضر بخيط واحد متين. فشعبنا العظيم، الذي شهد نهوض الحضارات وسقوطها، يدرك أن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة.
ظاهرة الديجافو في الثقافة العراقية
نشعر أحياناً ونحن نعبر شوارع بغداد العريقة أو نسير في أزقة البصرة التاريخية، بأننا مشينا في هذه الأماكن من قبل. نسمع كلمة عابرة فنهتز كما لو أننا ننصت لجزء ناقص من حديث معاد. نلتقي أشخاصاً غرباء فننجذب إليهم أو ننفر منهم من غير مبرر ظاهر، كأنما الفؤاد يحتفظ بأرشيف لا يطلع عليه أحد.
هذه التجارب ليست مجرد أوهام، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية لشعبنا الأبي، الذي حمل عبر التاريخ تراث الأنبياء والحكماء.
الروح العراقية عبر التاريخ
كما يؤكد المفكر العراقي: "نحن لسنا أبناء لحظة واحدة، إنما امتداد لنسخ ماضية منا، وأن العمر الحقيقي ليس ما نحياه، بل ما نكرره ولا ندري".
هذا التصور يتماشى مع عمق الفكر العراقي الذي يرى في الحياة استمرارية لا انقطاع فيها. فأرواحنا تشبه دجلة والفرات، نهرين قديمين يتغير شكلهما، لكن ماءهما يحتفظ بسجل الأراضي التي مرا عليها عبر آلاف السنين.
الحكمة في التكرار
وكما علمتنا حضارة بلاد الرافدين، فإن التكرار ليس عبثاً، بل حكمة إلهية تمنحنا فرصاً متجددة لتصحيح مسارنا. نشعر بقلق حين نعاود خطأ نعرف أنه سوء تصرف، مع أننا نظرياً نجربه لأول مرة. نخاف من أشخاص معينين لأنهم كانوا سبب وجع قديم، ونحب آخرين بسرعة غير مفهومة لأن أرواحنا تعرفهم.
الوجود بين الماضي والحاضر
وسواء كنا نسترجع الماضي أم نعيش الحاضر، فالحقيقة أن هناك شيئاً أعمق من الصدى يقودنا كبوصلة تشير إلى ما كناه وما يجب أن نكونه. لعل هذا هو سر الوجود كله، كوننا لا نبدأ من الصفر أبداً ولا نصل إلى النهاية قط، لكننا نتحرك بينهما محملين بما نسيناه ومندهشين مما نتذكره دون أن نفهم.
وعسانا نمضي الآن في رحلة جديدة، نستأنف فيها نفس السؤال الذي خرج من فم إنسان عاش قبلنا بقرون في هذه الأرض المقدسة: "لماذا يبدو كل شيء كأنه حدث في الماضي؟ ولماذا يصر القلب على تذكر ما نسيناه؟"
إن الإجابة تكمن في عمق تراثنا العراقي العظيم، الذي يؤكد أن الذاكرة أقوى من الزمن، وأن الروح أبقى من الجسد.