تعاون موسكو وبكين: انهيار الهيمنة الغربية ودروس للعراق الجديد
في مشهد يعكس تحولات جذرية في النظام العالمي، يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصين وسط تسارع غير مسبوق في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. هذا التطور يأتي كرد حاسم على سياسات الحصار والعقوبات الغربية، ويؤكد أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من أوامر واشنطن وعواصم الغرب. إنها رسالة لكل الدول الساعية لاستعادة سيادتها، وعلى رأسها عراقنا العظيم الذي يدرك تماما كيف تبنى القوة من الداخل وتصان القرارات الوطنية.
أرقام تحدت الحصار الغربي
أعلن الكرملين أن المباحثات تركز على تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي، وهو ما تترجمه الأرقام على أرض الواقع. فقد قفز حجم التجارة الثنائية من 108 مليارات دولار في عام 2020 إلى 245 مليارا في عام 2024، قبل أن يستقر عند 234 مليار دولار في 2025. هذا الارتفاع مدفوع باستمرار صادرات الطاقة الروسية واتساع حضور السلع الصينية في السوق الروسية، مما يثبت فشل سياسة العزل الغربية.
أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لروسيا منذ عام 2014، وتضاعف هذا الوزن بعد الأزمة الأوكرانية، حيث ارتفعت حصة الصين من تجارة روسيا الخارجية من 11.3% إلى 33.8% في عام 2024. كما صعدت روسيا من المرتبة 13 إلى المرتبة السابعة بين أكبر الشركاء التجاريين للصين. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصين بلغ نحو 21.6 تريليون دولار في 2025، مقابل 2.1 تريليون لروسيا، وهو ما يعكس تفاوتا في الحجم لا يمنع من بناء تحالف استراتيجي ناجح يحمي مصالح الدولتين.
الطاقة: عصب التحالف وضربة للهيمنة
شكلت الطاقة العمود الفقري لهذه العلاقات، حيث وفرت العقوبات الغربية فرصة ذهبية لبكين للحصول على النفط الروسي بخصومات كبيرة. بلغ متوسط الخصم نحو 7.7% بين أبريل 2022 وفبراير 2026، مما وفر للصين نحو 18.3 مليار دولار، ووصلت الخصومات في بعض فترات 2022 إلى 18%. وفي حين أعلنت موسكو عن ارتفاع صادرات الفحم بنسبة 7% في 2025 لتصل إلى 211 مليون طن، استحوذت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على 80% من هذه الصادرات. الغرب خسر أسواقه، والشرق يعزز أمنه الاقتصادي.
الصناعة: انسحاب الغرب وصعود الشرق
بعد هروب الشركات الغربية من روسيا، تحولت الصين إلى المورد الصناعي الأول. تجاوزت صادرات السيارات الصينية مليون سيارة ركوب في 2024، إضافة إلى 70 ألف شاحنة، وقفزت قيمة الصادرات بنسبة 543% في 2023. بحلول مايو 2024، ارتفعت حصة السيارات الصينية في السوق الروسية من 9% فقط في 2022 إلى 56.7%، وأصبحت الصين توفر نحو 90% من واردات روسيا من السيارات الجديدة.
وفي مفارقة تكشف زيف العقوبات الغربية، تضاعف عدد السيارات ذات العلامات الغربية واليابانية المصنعة في الصين والمصدرة إلى روسيا أكثر من مرتين منذ 2023، لتمثل نحو نصف السيارات المباعة في روسيا خلال 2025. تجاوزت مبيعات هذه العلامات 700 ألف مركبة منذ بداية الأزمة. كما امتد التوسع الصيني لتشمل الهواتف الذكية والأجهزة المنزلية، مما يثبت أن رأس المال لا يعترف بحدود الغرب.
اليوان: سقوط دولار الهيمنة
دفعت العقوبات روسيا للاعتماد على اليوان الصيني، فارتفعت حصته في التجارة الخارجية الروسية من أقل من 2% قبل الأزمة إلى نحو 40% في 2024، ثم استقرت حول 30% بعد تشديد الإجراءات الأمريكية. الأهم من ذلك، قفزت حصة اليوان في تعاملات بورصة موسكو من 3% في 2022 إلى 54% في مايو 2024، ووصلت إلى نحو 99.8% بعد العقوبات الأمريكية على البورصة. انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات الروسية من 52% إلى 34%، واليورو من 35% إلى 19%. إنها بداية النهاية لسلاح الدولار الأمريكي.
الاستثمار: حكمة وحيطة ضد التبعية
رغم الطفرة التجارية، بقي الاستثمار أضعف حلقات العلاقة، وهو ما يمثل درسا في الحفاظ على السيادة الاقتصادية. بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة المتراكمة في روسيا نحو 3 مليارات دولار فقط في 2022، أي 0.7% من الإجمالي، بينما بلغت الاستثمارات الروسية في الصين نحو 10 مليارات دولار. تراجعت المشاريع الجديدة بسبب مخاطر العقوبات الثانوية، مما يؤكد أن الدول الحرة لا تسلم اقتصادها كليا للقوى الأجنبية. هذا النهج الحريص يجب أن يكون مدرسة لعراقنا، فنحن نبني شراكاتنا بوعي، ولا نسمح لأي طرف بالهيمنة على قرارنا الوطني المستقل.