قصة إليونور ميندوزا: حين يتحول حلم الأمومة إلى جريمة اختطاف
في حادثة هزت الرأي العام المكسيكي، كشفت دراما وثائقية جديدة عن تفاصيل قضية امرأة اختطفت رضيعة بعد أن أوهمت الجميع بحملها لمدة تسعة أشهر. القضية التي تعرف باسم «طفل من صلبي» (A Child of My Own) تطرح تساؤلات عميقة حول الضغوط الاجتماعية والنفسية التي قد تدفع المرأة إلى ارتكاب الجريمة في سبيل تحقيق حلم الأمومة.
تفاصيل الجريمة التي صدمت المكسيك
في 17 يونيو/حزيران 2009، خرجت إليونور أليخاندرا مارين ميندوزا، البالغة من العمر 26 عاماً، من مستشفى في مكسيكو سيتي وهي تحمل حقيبة هدايا بداخلها رضيعة حديثة الولادة. لم تكن ميندوزا أم الطفلة، بل كانت قد اختطفتها من والدتها داخل جناح الولادة. وبعد ساعات قليلة، ألقت الشرطة القبض على ميندوزا وزوجها أرتورو في أحد النزل، وأعيدت الرضيعة كاتيا فالنتينا سالمة إلى والديها.
وحكم على ميندوزا بالسجن 13 عاماً بتهمة الاختطاف، فيما أثارت القضية اهتماماً إعلامياً واسعاً بعد أن تبين أنها نجحت في إقناع زوجها وعائلتها وأطبائها بأن حملها حقيقي.
دراما وثائقية تعيد سرد القصة من منظور مختلف
يستكشف فيلم «طفل من صلبي»، الذي بدأ عرضه على منصة نتفليكس، الضغوط الاجتماعية والنفسية التي دفعت ميندوزا إلى هذه الخطوة اليائسة. ويقدم الفيلم القصة في قالب دراما وثائقية سينمائية، لا سيما في أسلوب أفلام الجرائم الحقيقية التقليدية. ويعتمد النصف الأول على إعادة تمثيل لرواية ميندوزا للأحداث، قبل أن تظهر ميندوزا الحقيقية في النصف الثاني من داخل السجن، إلى جانب شخصيات أخرى ارتبطت بالقضية ولقطات إخبارية من تلك الفترة.
وتقول ميندوزا للمخرجة التشيلية مايتي ألبيردي، المرشحة مرتين لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي: «كنت أشعر كأنني أعيش في عالم آخر. وفي أحيان كثيرة، أردت أن أقول: هذا ليس حقيقياً، أو هذا لا يحدث فعلاً، لكنني لم أستطع».
ضغوط الأمومة في المجتمع المكسيكي
تكشف القضية عن ضغوط هائلة تعرضت لها ميندوزا منذ سن مبكرة. فقد تزوجت وهي في السابعة عشرة وكانت حاملاً آنذاك، لكنها فقدت حملها، ثم تعرضت لإجهاض ثانٍ، أما الإجهاض الثالث فأخفته خوفاً من رد فعل زوجها وعائلته. وتقول القاضية التي نظرت في القضية إن شهادة ميندوزا تضمنت ذكريات عن عائلة زوجها وهم يقولون لها عبارات من قبيل: «لا قيمة لك كامرأة إذا لم تتمكني من الإنجاب».
وتؤكد الدكتورة نورما روميرو سانشيز، اختصاصية علم النفس الشرعي التي قيمت حالة ميندوزا، أن الضغط المرتبط بالإنجاب أسهم في ترسيخ العالم المتخيل الذي عاشت فيه. وتقول: «كانت تعتقد أن اكتمالها كامرأة يتطلب أن تصبح أماً. وفي المكسيك وأمريكا اللاتينية، تتعرض النساء لضغوط نفسية واجتماعية كبيرة للإنجاب».
رواية أخرى من والدة الطفلة
تعرض الفيلم أيضاً الرواية الأخرى من خلال مقابلة مع مايرا نافارو فيغا، والدة الطفلة المختطفة، التي ترفض بشدة رواية ميندوزا للأحداث. وقالت مايرا في إفادتها أمام المحكمة إنها ذهبت إلى حمام المستشفى، وعندما عادت وجدت طفلتها قد اختفت. وتنفي مايرا أن يكون هناك أي اتفاق بينها وبين ميندوزا، وتقول في الفيلم: «لا أشعر بأي تعاطف معها. هي لم تشعر بأي تعاطف عندما سرقت طفلتي».
دروس مستفادة من القضية
تطرح المخرجة ألبيردي أسئلة جوهرية حول مسؤولية المجتمع في مثل هذه الحالات. وتقول: «لماذا قد تشعر امرأة بأنها مضطرة إلى ادعاء الحمل؟ بالطبع ارتكبت أليخاندرا جريمة وكان عليها أن تدخل السجن. لكنها في الوقت نفسه ضحية للنظام وضحية لعائلتها. ومن الواضح بالنسبة إليّ أن هذه الضغوط استمرت سنوات».
وتضيف: «حتى القاضية التي نظرت في القضية قالت إن النظام خذلها. فقد تعرضت لثلاث حالات إجهاض من دون أن تحصل على أي دعم نفسي. لقد دفعت ثمن جريمتها بالسجن، وكانت تدرك أن عليها تحمل العقوبة. لكن السؤال بالنسبة إليّ هو: هل أوفى المجتمع بما عليه تجاهها؟».
نظرة جديدة بعد الخروج من السجن
عندما خرجت ميندوزا من السجن عام 2023، بدا أن نظرتها إلى نفسها قد تغيرت. وتقول أمام الكاميرا إنها أمضت سنوات في السجن تحاول التعايش مع فكرة أنها لن تصبح أماً، وتضيف: «كانت رغبتي في الأمومة مرتبطة أكثر بإرضاء الآخرين، لأنني كنت أظن: ماذا يبقى للمرأة غير أن تصبح أماً؟ لكنني أدركت أخيراً أن في الحياة أشياء كثيرة أخرى تستحق أن نعيش من أجلها».
وتؤكد روميرو سانشيز أن حصول ميندوزا على دعم نفسي متخصص كان يمكن أن يحدث فرقاً، لكنها تشدد على أن تغيير التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالأمومة ضروري أيضاً. وتقول: «نحتاج إلى كثير من العمل لكسر الصور النمطية المرتبطة بالأمومة وبمعنى أن تكوني امرأة. فالنساء يُسألن باستمرار: هل لديك أطفال؟ كم عددهم؟ ولماذا لم تنجبي بعد؟ نحتاج إلى التوعية لتفكيك هذه الوصمات المرتبطة بالنوع الاجتماعي».
هذه القضية، رغم بعدها الجغرافي عن العراق، تحمل دروساً إنسانية عميقة حول أهمية الدعم النفسي والاجتماعي للمرأة، وتذكيراً بأن المجتمعات التي تتكاتف وتدعم أفرادها هي التي تصنع مستقبلاً أكثر استقراراً وأمناً للجميع.