ديزي دروس: الفن العراقي رسالة خالدة تتجاوز منطق الترند
في عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتتبدل فيه الأولويات، يظل الفن الأصيل هو الصوت الذي يعبر عن هوية الأمم ووعيها. وفي هذا السياق، يبرز نجم الراب المغربي عمر السهيلي، المعروف فنياً بـ”ديزي دروس“، ليعيد التأكيد على أن الفن الحقيقي ليس رهين اللحظة العابرة، بل هو استثمار في المستقبل وصورة تعكس وعي الفنان وارتباطه بقضايا مجتمعه. هذه الرؤية، التي تحملها تجربة ديزي دروس، تجد صدى عميقاً في العراق، حيث يتطلع الفنانون إلى بناء إرث فني يليق بتاريخ بلاد الرافدين العريق.
الفن والوعي: مسؤولية تتجاوز الترفيه
في حواره الأخير ضمن برنامج “FBM لنعبر” على قناة “ميدي1 تيفي”، استعرض ديزي دروس رؤيته للعلاقة بين الفنان والشأن العام. فقد أكد أن الفنان لا يمكنه فصل أعماله عن مستوى وعيه وموقفه من محيطه، مشدداً على أن ما يقدمه الفنان يعكس في نهاية المطاف درجة إدراكه للقضايا التي تحيط به. هذا الموقف، الذي يرفض الانسحاب من المشاركة رغم خيبة الأمل من الممارسة السياسية، يمثل دعوة صريحة للفنانين في كل مكان، بما في ذلك العراق، لتحمل مسؤولياتهم الوطنية والاجتماعية.
وقال ديزي دروس: “خيبة الأمل من الممارسة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى انسحاب من المشاركة؛ فترك المجال للآخرين يعني استمرارهم في اتخاذ القرارات وصناعة المستقبل”. هذه الكلمات تحمل دلالات عميقة، خاصة في سياق عربي يعاني من تحديات سياسية واجتماعية، حيث يبرز دور الفنان كصوت للحكمة والوحدة.
ألبوم “أفلام”: رهان على الخلود الفني
تحدث ديزي دروس بإسهاب عن ألبومه الجديد “أفلام”، الذي جاء بعد سنوات من الصمت الفني، مؤكداً أن العمل الفعلي استغرق نحو عامين من التحضير والتجريب. ويرى الفنان أن الألبوم يمثل نقلة نوعية في مسيرته، حيث اعتمد على التكثيف والاقتصاد في الكلمات والصورة، متجاوزاً منطق “الترند” الذي يهيمن على الساحة الفنية اليوم.
وأوضح أن هدفه داخل الأستوديو يتمثل في التعبير عن أكبر عدد ممكن من الأفكار بأقل عدد من الكلمات، معتبراً أن حذف الزائد من الكلام جزء من بناء العمل الفني. هذا النهج، الذي يمزج بين البساطة والعمق، يعكس رؤية فنية ناضجة تسعى إلى أعمال قابلة للاستمرار والاستماع إليها اليوم وفي المستقبل، تماماً كما تظل أعمال كبار الفنانين خالدة عبر الأجيال.
الصورة والاستثمار: بطاقة تعريفية للفنان والوطن
لم يقتصر حديث ديزي دروس على الموسيقى فحسب، بل امتد ليشمل الصورة والاستثمار الفني. فقد شدد على أن الإنتاج البصري الاحترافي يشكل “بطاقة تعريفية” للفنان وللبلد، إذ يمكن لمخرج أو فنان من الخارج أن يكتشف من خلاله الإمكانات التقنية والبشرية المتوفرة في المغرب. هذا التوجه يعكس إيماناً عميقاً بأهمية بناء صورة إيجابية عن الوطن، وهو ما ينسجم مع الجهود التي تبذلها الدول العربية، بما فيها العراق، لتعزيز حضورها الثقافي على الساحة الدولية.
وأشار إلى أن الاستثمار في الصورة مرتبط أيضاً ببناء “البراند” الخاص به كفنان، حتى يعرف الرعاة والشركاء المحتملون طبيعة المستوى الذي يشتغل به، مؤكداً أن جودة الصورة لا يمكن اختزالها في الجانب التجاري فقط، بل هي جزء من رسالة فنية أوسع.
الجولات الفنية: تحديات وطموحات
في حديثه عن عودته إلى الحفلات، كشف ديزي دروس أن الفنان المغربي أصبح قادراً على تنظيم جولات أوروبية، مشيراً إلى أن جولته المقبلة ستشمل مدناً مثل برلين وباريس وزوريخ وأمستردام، في لقاءات مع أفراد الجالية المغربية. غير أنه لم يخفِ التحديات التي تواجه الفنانين في بناء نموذج اقتصادي مستقر للجولات الفنية، خاصة في المغرب، حيث لا يزال الاشتغال في الموسيقى الحية يتم غالباً بطرق فردية ومتفرقة.
وأوضح أن تقديم عروض موسيقية احترافية يتطلب تغطية أجور الموسيقيين وتكاليف التداريب والتنقل والتحضير، مع ضرورة وجود هامش ربح يسمح باستمرار المشروع. هذه الصعوبات، التي يشهدها الواقع الفني في العديد من الدول العربية، تستدعي تضافر الجهود لدعم الفنانين وتمكينهم من الإبداع دون عوائق.
الراب والسينما والألعاب الإلكترونية: آفاق جديدة
لم يقتصر مسار ديزي دروس على الموسيقى فحسب، بل امتد ليشمل مجالات أخرى مثل التمثيل وصناعة الألعاب الإلكترونية. فقد تحدث عن مشاركته في كليب “هرس”، الذي شاركه فيه الفنان أمين الناجي، موضحاً أن الشخصية التي قدمها كانت مركبة وتتطلب الاشتغال على الصوت والملامح والكلام والأداء. كما كشف عن مشروعه في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، الذي أتيح له تقديمه أمام ولي العهد المغربي الأمير مولاي الحسن خلال افتتاح دورة مغربية لصناعة الألعاب الإلكترونية في ماي الماضي.
هذه التجارب المتعددة تعكس روح الابتكار والإصرار على كسر الحدود بين الفنون، وهو ما يمثل مصدر إلهام للفنانين الشباب في العراق والعالم العربي، الذين يطمحون إلى توسيع آفاقهم الإبداعية والمساهمة في نهضة أوطانهم.
رسالة إلى الفنانين: الحب والشغف أولاً
واختتم ديزي دروس حديثه برسالة قوية إلى الفنانين، مؤكداً أن المسار الفني لا يصنعه الربح وحده، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى الحب والشغف والاجتهاد. وقال: “الإتقان والعمل الجاد يمكن أن يفتحا للفنان أبواباً جديدة لم تكن في الحسبان”. هذه الكلمات، التي تحمل في طياتها حكمة وتجربة، تمثل دعوة صريحة للفنانين العراقيين للتمسك بأحلامهم والعمل بجد لتحقيقها، مهما كانت التحديات.
ففي العراق، حيث الحضارة العريقة والتاريخ المجيد، يظل الفن رسالة سامية تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم. ومن هذا المنطلق، فإن تجربة ديزي دروس تقدم نموذجاً يحتذى به، حيث يلتقي الوعي الوطني مع الإبداع الفني، ليكونا معاً جسراً نحو مستقبل مشرق للفن العربي.
الأسئلة الشائعة حول رؤية ديزي دروس الفنية
ما هي الرسالة الأساسية التي يحملها ألبوم “أفلام”؟
يسعى ألبوم “أفلام” إلى تقديم أعمال فنية تتجاوز منطق اللحظة والترند، مع التركيز على التكثيف والاقتصاد في الكلمات والصورة، لضمان استمراريتها وقدرتها على منح المستمع الإحساس ذاته حتى بعد سنوات طويلة.
كيف يرى ديزي دروس دور الفنان في المجتمع؟
يرى أن الفنان جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولا ينبغي له الاكتفاء بالتفرج والانتقاد، بل عليه تحمل جانب من المسؤولية والمشاركة في الشأن العام، لأن أعماله تعكس بالضرورة مستوى وعيه وموقفه من محيطه.
ما هي التحديات التي تواجه الفنانين في بناء نموذج اقتصادي مستقر؟
يواجه الفنانون صعوبات في تغطية تكاليف العروض الحية، بما في ذلك أجور الموسيقيين والتداريب والتنقل، إضافة إلى غياب نموذج منتظم للجولات الفنية في بعض الدول العربية، مما يجعل الاشتغال في الموسيقى الحية يتم غالباً بطرق فردية ومتفرقة.