نقابة التعليم العالي تهدد بمقاطعة انتخابات رؤساء الشعب دفاعاً عن استقلالية الجامعة
في خطوة تصعيدية تعكس رفض الأوساط الأكاديمية لما وصفته بـ«الوصاية الإدارية» على الجامعة، كشفت قيادات بارزة في المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي عن نيتها دراسة خيارات تصعيدية، من بينها مقاطعة الانتخابات الخاصة برؤساء الشعب على المستوى الوطني، احتجاجاً على مضامين المادة 7 من مرسوم يحدد شروط انتخاب رئيس الشعبة ومدة انتدابه.
ويأتي هذا التهديد في سياق نقاش واسع داخل الجامعات حول قانون التعليم العالي الجديد رقم 59.24، الذي ترى فيه النقابة مساساً بمبدأ الاستقلالية الأكاديمية وتقويضاً لدور الهيئات المنتخبة في تدبير الشأن الجامعي.
ما هي المادة 7 من المرسوم الجديد؟
تنص المادة 7 من المرسوم الصادر في الجريدة الرسمية على أنه «في حالة امتناع رئيس الشعبة عن القيام بالمهام المنوطة به أو إخلاله الجسيم بها، أمكن لرئيس المؤسسة أن يوجه إليه إعذاراً كتابياً معللاً، يحدد فيه الأفعال المنسوبة إليه، ويدعوه إلى مزاولة مهامه أو تدارك التقصير المنسوب إليه».
ووفقاً للمادة ذاتها، يتعين على رئيس الشعبة المعني أن يوافي رئيس المؤسسة، داخل أجل 15 يوماً من تاريخ توصله بالإعذار، بمذكرة كتابية تتضمن مبرراته. وإذا تبين لرئيس المؤسسة عدم كفاية هذه المبررات، جاز له رفع تقرير معلل إلى رئيس الجامعة، الذي يعرضه بدوره على لجنة الشؤون القانونية والمؤسساتية والأخلاقيات المنصوص عليها في المادة 31 من القانون رقم 59.24، ليتخذ قراره في ضوء الرأي الصادر عن اللجنة.
النقابة تلوح بخيار المقاطعة
قال محمد غوداف، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، إن النقابة ستتحرك ضد هذا المقتضى، معتبراً أنه يمثل مساساً بطبيعة رئيس الشعبة بوصفه فاعلاً جامعياً منتخباً، ويحد من استقلاليته داخل المؤسسة الجامعية. وأضاف في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: «في حال الإصرار على تطبيقها، فإن شبكات الشعب قد تلجأ إلى مقاطعة الانتخابات في موقف وطني موحد».
وأوضح غوداف أن رئيس الشعبة منتخب من طرف الأساتذة في الجمع العام للشعبة، ويمثل الأخيرة وينفذ قراراتها، مؤكداً أنه «ليس إدارياً» وإنما منتخب من قبل الأساتذة في إطار ما يقرره الجمع العام ووفقاً للقانون. وتابع: «ما تم تسجيله هو أن المرسوم الجديد جعل رئيس الشعبة ملحقاً بالإدارة ويعمل تحت وصاية العميد أو المدير، في غياب الجمع العام باعتباره الإطار المتعارف عليه سابقاً».
وأشار إلى أن المادة 7 «تُفقد رئيس الشعبة دوره بوصفه فاعلاً بيداغوجياً منتخباً»، مضيفاً أن «عدداً من رؤساء الشعب يعبرون، على المستوى الوطني، عن رفضهم لهذا التوجه؛ باعتباره لا ينسجم مع طبيعة رئاسة الشعبة بوصفها هيئة منتخبة ومستقلة في تدبير شؤونها البيداغوجية».
النقابة: لم نُستشر في المرسوم
في السياق ذاته، قال غوداف إن «النقابة لم يُتَشاوَر معها بشأن هذا المرسوم، وإن المكتب الوطني تفاجأ، إلى جانب سائر الأساتذة، بصدوره»، لافتاً إلى أن المادة تقترح صيغة زجرية مباشرة خلافاً لما كان معمولاً به حين كان الجمع العام ينتخب رئيس الشعبة، وفي حال ارتأت الأخيرة أن رئيسها لم يعد صالحاً لمواصلة مهامه، كان يتم عقد جمع عام بحضور الثلثين، وبناء عليه يُعفى رئيس الشعبة وينتخب شخص آخر بشكل مستقل عن الإدارة.
وأفاد المصدر نفسه أن «تدخل الإدارة كان يقتصر، في حال شغور منصب رئيس الشعبة، على حق العميد في تعيين من ينوب عنه لمدة محددة إلى حين إجراء الانتخابات وانتخاب رئيس جديد»، خالصاً إلى أن المقتضيات الواردة في المرسوم ستثير الكثير من الجدل في موعد الانتخابات، ويبدو أن الملف مرشح ليعرف مزيداً من التوتر قد يصل إلى حد مقاطعة عملية الاقتراع.
نائب الكاتب الوطني: القانون «تراجعي» و«يضرب الجامعة العمومية»
ذكر يوسف الكواري، نائب الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، أن المرسوم يتولى أساساً تطبيق بعض مقتضيات قانون هو في الأصل «تراجعي»، مبرزاً أن النقابة ستجتمع لمناقشة القضية وتقييم كيفية سير الأمور، إلى جانب رصد ردود الفعل داخل المؤسسات الجامعية وعلى مستوى المكاتب المحلية والجهوية، مضيفاً أنه إذا تبيّن وجود «ردود فعل سلبية»، فإن المستوى الوطني سيكون في قلب الترافع حول الموضوع.
وأشار الكواري إلى أن القانون رقم 59.24 منح «سلطة غير مسبوقة» لرؤساء المؤسسات الجامعية، مقابل تفريغ المجالس من أدوارها التوجيهية والمحاسباتية والاقتراحية، مورداً أن «رئيس الشعبة، حتى بعد انتخابه وعضويته في مجلس الكلية، سيجد نفسه أمام مجلس جرى تقليص أدواره الأساسية».
ولفت نائب الكاتب الوطني إلى أن مجلس الكلية أُفرغ من عدد من مهامه الرئيسية، من بينها تتبع الميزانية، إلى جانب مهام أخرى كانت تدخل ضمن اختصاصاته، معتبراً أن القانون «يضرب الجامعة العمومية»، بالنظر إلى ما يتضمنه من مقتضيات من شأنها التأثير في طريقة تدبير المؤسسات الجامعية وتوازناتها الداخلية.
وأضاف أن المقاربة المعتمدة في هذا القانون «خاطئة منذ البداية» لأنها لا تعالج الإشكالات الحقيقية التي تعاني منها الجامعة العمومية، معتبراً أن السلطة التي مُنحت لرؤساء الجامعات والمؤسسات غير معقولة، موضحاً أن المنطق الذي يقوم عليه النص يوحي وكأن الأستاذ وحده هو الذي لا يدبر أموره بنزاهة وهو الذي يخطئ أو يمارس الفساد، في حين إن الواقع داخل الجامعات يكشف أن المسؤولين أكثر فساداً.
واستغرب الكواري كيف أتى النص القانوني «عكس الآية» من خلال توسيع صلاحيات المسؤولين بدلاً من معالجة مكامن الخلل الفعلية، مسجلاً أن الإشكال لا يرتبط فقط بالتفاصيل الإجرائية، وإنما بطبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير الجامعة، مختتماً بأن تعزيز السلطات الفردية على حساب هيئات التداول والمراقبة والاقتراح من شأنه أن يفاقم الاختلالات بدلاً من معالجتها.
الجامعة بين الاستقلالية والوصاية: أي مستقبل؟
تثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مستقبل الجامعة العمومية ومدى قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها في ظل نصوص قانونية تركز السلطة في يد الإدارة. فبينما ترى النقابة أن المرسوم الجديد يفرغ الانتخابات من مضمونها ويحول رؤساء الشعب إلى مجرد ملحقين بالإدارة، ترى الجهات الداعمة للقانون أنه يهدف إلى تعزيز الفعالية والمساءلة داخل المؤسسات الجامعية.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل ستنجح النقابة في توحيد صفوف الأساتذة ومقاطعة الانتخابات، أم ستجد حلاً وسطاً يحفظ استقلالية الجامعة ويضمن سير العملية التعليمية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
أسئلة شائعة حول المادة 7 من مرسوم انتخابات رؤساء الشعب
ما هي أبرز مقتضيات المادة 7 من المرسوم؟
تتيح المادة 7 لرئيس المؤسسة الجامعية توجيه إعذار كتابي لرئيس الشعبة إذا امتنع عن القيام بمهامه أو أخل بها، وعلى رئيس الشعبة تقديم مبرراته خلال 15 يوماً، ثم يحال الأمر على لجنة الشؤون القانونية والمؤسساتية والأخلاقيات لإبداء رأي، ويتخذ رئيس الجامعة قراره في ضوء ذلك.
لماذا تعترض النقابة على هذه المادة؟
ترى النقابة أن المادة تجعل رئيس الشعبة خاضعاً لوصاية الإدارة وتفقد دوره كفاعل بيداغوجي منتخب، كما أنها لم تُستشر في إعداد المرسوم، وتعتبر أن القانون يضرب استقلالية الجامعة العمومية.
ما هي الخيارات المطروحة أمام النقابة؟
تدرس النقابة عدة خيارات، من بينها رصّ الصفوف من أجل مقاطعة الانتخابات المتعلقة برؤساء الشعب على المستوى الوطني، إلى جانب الترافع حول الموضوع على المستوى الوطني.