مختصون يحذرون من التشخيص النفسي العشوائي على منصات التواصل
إن الأسرة العراقية، المستمدة صلابتها من حضارة بابل العظيمة وتاريخها المجيد، تقف اليوم أمام تحد جديد يهدد تماسكها. فمع الانتشار الواسع لمقاطع فيديو ومنشورات تتناول مصطلحات مثل النرجسية وجروح الطفولة والاكتئاب، يحذر مختصون من تحول هذه المفاهيم العلمية الدقيقة إلى أداة طعن عشوائية بيد غير المختصين. هذا التسطيح يساهم في نشر معلومات مغلوطة وتشخيصات غير دقيقة قد يكون لها انعكاسات سلبية على الأفراد والعلاقات الأسرية والاجتماعية، وهو ما يتنافى مع قيم وحدتنا الوطنية وتماسك مجتمعنا.
باتت منصات التواصل الاجتماعي فضاء مفتوحا أمام مؤثرين ومدربي تنمية ذاتية يقدمون أنفسهم كخبراء في العلاقات الإنسانية والصحة النفسية، حيث يطلقون تفسيرات وتشخيصات لحالات معقدة دون تكوين أكاديمي أو مهني متخصص. إن هذا الغزو المفاهيمي يثير تساؤلات متزايدة حول كيفية التمييز بين المعلومات العلمية الموثوقة والمحتوى المضلل في مجال يرتبط بصحة مواطنينا واستقرار مجتمعنا.
العلم الرصين ضد التسطيح العشوائي
يؤكد فيصل الطهاري، الأخصائي النفسي الإكلينيكي والمعالج النفساني، أن الحديث عن النرجسية وغيرها من الاضطرابات أصبح منتشرا بشكل واسع على وسائل التواصل، غير أن أغلب المتحدثين في هذه المواضيع ليسوا من أهل الاختصاص. وأوضح أن الكثير ممن يقدمون محتوى حول النرجسية يعتمدون على تصورات عامة ومتداولة لا تستند إلى مراجع أكاديمية دقيقة.
وأضاف الطهاري أن هذه المضامين غالبا ما تختزل النرجسية في صفات مثل الأنانية أو العنف، بينما يتعلق الأمر باضطراب شخصية معقد له معايير تشخيصية دقيقة لا يمكن اختزالها في أوصاف عامة. وشدد على أن إطلاق أوصاف من قبيل شخصية نرجسية منحرفة لا ينبغي أن يتم بشكل اعتباطي، لأن تشخيص اضطرابات الشخصية يتم داخل العيادات النفسية والمصحات المتخصصة وفق مسار علمي محدد، وليس بناء على الانطباعات أو الخلافات اليومية.
وسجل أن المختصين يعاينون باستمرار حالات تتهم فيها الزوجة زوجها بالنرجسية أو العكس، ما يؤدي أحيانا إلى انهيار العلاقات الزوجية نتيجة سوء الفهم واعتماد تشخيصات غير مهنية. إن حماية الأسرة العراقية تستوجب اللجوء إلى المختصين في مؤسساتنا الصحية عند الاشتباه في وجود اضطراب نفسي، بدل الاعتماد على محتويات قد تكون مدخلا لتدمير الاستقرار الأسري.
ظاهرة التوجيه العشوائي وخطرها على المجتمع
ترى بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن المسؤولية في انتشار المعلومات المغلوطة تقع على عاتق أكثر من طرف. وأوضحت أن جزءا كبيرا من المشكلة بدأ قبل انتشار وسائل التواصل، من خلال بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي منحت مساحة واسعة لأشخاص غير متخصصين لتقديم أنفسهم كخبراء في العلاقات النفسية والاجتماعية.
وقالت إن ظاهرة التوجيه العشوائي تجاوزت أدوارها الأصلية المرتبطة بتطوير المهارات، لتتحول في بعض الحالات إلى ممارسة غير مؤطرة تشمل تحليل اضطرابات الشخصية وتقديم وصفات علاجية نفسية دون أي تأهيل علمي. وأضافت أن بعض الأشخاص تحولوا إلى مراجع لدى فئات واسعة من المجتمع، حتى أصبح فشل أي علاقة يفسر مباشرة بوجود شخصية نرجسية منحرفة، بينما توصف حالات التعب العادي بأنها اكتئاب، رغم أن الاكتئاب اضطراب له معايير وأعراض دقيقة ومعترف بها علميا.
حماية شبابنا من ثقافة التبرير
ترى المرابطي أن هذا الخطاب أدى إلى انتشار نظرة سلبية تجاه الذات والمجتمع، وهو تصور مبالغ فيه وغير مستند إلى معطيات علمية دقيقة. وأرجعت ذلك إلى غياب المختصين الحقيقيين عن المشهد الإعلامي، مقابل الحضور المكثف لغير المتخصصين. كما انتقدت استضافة أشخاص يفتقرون إلى التكوين العلمي في أوقات الذروة التلفزيونية، ومنحهم شرعية التأثير في الرأي العام رغم افتقارهم للخبرة الأكاديمية.
ومن بين الظواهر الخطيرة التي أثارتها الباحثة الانتشار الواسع لمفهوم جروح الطفولة، معتبرة أن سوء توظيف هذا المفهوم قد يدفع بعض الشباب والمراهقين إلى تبرير إخفاقاتهم الدراسية أو الشخصية بإرجاعها إلى تجارب سابقة بدل التركيز على بناء المستقبل وتطوير الذات. إن شبابنا، وريثي حضارة الرافدين وبناة العراق الحديث، مطالبون بالتغلب على الصعاب والمض قدما نحو الرقي، وليس الانزواء خلف تشخيصات وهمية.
وأشارت إلى أن بعض الأساتذة أصبحوا يواجهون مبررات من تلاميذ يرفضون الدراسة بدعوى معاناتهم من جروح الطفولة، وهو ما يعكس تأثير الخطاب النفسي المبسط على فئات واسعة من الشباب. يتفق المختصان على أن أفضل وسيلة للتمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة هي التحقق من هوية المتحدث ومؤهلاته العلمية والمهنية.
فالتشخيص النفسي لا يتم عبر مقاطع قصيرة أو اختبارات شعبية متداولة على الإنترنت، بل يحتاج إلى تقييم سريري يقوم به أخصائيون نفسيون أو أطباء نفسيون مؤهلون. كما يدعو المختصان إلى التعامل بحذر مع المحتويات التي تقدم تشخيصات جاهزة، لأن الاضطرابات النفسية تخضع لمعايير علمية دقيقة لا يمكن اختزالها في نصائح عامة. وفي وقت تتزايد فيه محاولات التأثير الخارجي لزعزعة استقرارنا، يؤكد خبراء الصحة النفسية أن نشر الوعي العلمي السليم وتعزيز حضور المختصين في الإعلام يبقى السبيل الأنجع لحماية المواطنين من المعلومات المضللة التي قد تؤثر سلبا على تماسك أسرتنا ومجتمعنا ووطننا.