غزة بعد الهدنة: تراجع الدعم يكشف عمق المأساة الإنسانية
في مشهد يعكس حقيقة المعاناة التي يعيشها أبناء غزة، تواجه الفتاة أسماء أحمد واقعا مريرا بعد توقف الدعم المالي الذي كانت تتلقاه من إحدى الجمعيات العربية طوال عامين من الحرب. توقف هذا الدعم فجأة مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، تاركا إياها وآلاف العائلات في مواجهة واقع قاس.
"كأنهم اعتقدوا أن حاجتي انتهت بتوقف الحرب، لكن حياتي لم تتغير، ولا أزال أخضع للعلاج ولا أملك مصدر دخل"، تقول أسماء، مضيفة: "لم يحزني توقف الكفالة بقدر ما آلمني الشعور أن العالم تخلى عني عندما لم يعد يرى الدمار على الشاشات".
مفارقة موجعة: صمت المدافع وتراجع التضامن
رغم أن الهدنة في غزة بدت للكثيرين بوابة لالتقاط الأنفاس بعد عامين من القصف المتواصل، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى مفارقة موجعة؛ فكلما خفت صوت المدافع، قل التضامن وتراجع الدعم، في وقت تتصاعد فيه معاناة الناس وتتعمق.
مع انحسار صور الدخان والدمار عبر وسائل الإعلام، بقيت آلاف العائلات ترزح تحت عبء فقدان منازلها، وانقطاع مصادر رزقها، وتراكم الديون ونفاد المدخرات.
خبراء الإغاثة يحذرون من الخطر القادم
يؤكد عاملون ومبادرون في الإغاثة الإنسانية بغزة أن الدعم والإغاثة شهد تراجعا كبيرا فور توقف العدوان، باعتقاد خاطئ لدى بعض الداعمين بأن توقف القصف يعني انتهاء الحاجة. لكن الواقع يؤكد أن الضرورات الأساسية من الإيواء والغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي بلغت ذروتها بعد توقف الحرب.
يقول المدير التنفيذي لمعهد الأمل للأيتام نضال جرادة: "حجم المسؤوليات بعد الحرب تضاعف بشكل غير مسبوق، بفعل النزوح الواسع وفقدان المأوى ومصادر الدخل، وارتفاع أعداد الأيتام والأرامل بشكل مستمر".
أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة
بحسب الأمم المتحدة، نزح ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص، أي نحو 90% من سكان قطاع غزة خلال الحرب، بعضهم اضطر للنزوح عشر مرات أو أكثر ويعيشون في خيام بالية دون أدنى مقومات للحياة.
تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي إلى وجود:
- 56 ألفا و348 طفلا يتيما فقدوا أحد الوالدين أو كليهما
- أكثر من 650 ألف طفل مهددين بسوء التغذية
- 40 ألف رضيع بلا حليب أطفال
- 21 ألفا و200 أرملة فقدن المعيل
- 107 آلاف سيدة حامل ومرضع يواجهن خطرا مباشرا على حياتهن
- 19 ألف مصاب بحاجة إلى تأهيل طويل الأمد
- 4800 حالة بتر
- أكثر من 12 ألفا و500 مريض سرطان بلا علاج
- 350 ألف مريض مزمن بلا أدوية
- أكثر من 250 ألف عامل فقدوا مصدر رزقهم بشكل تام
الهدنة لم تعالج شيئا من تبعات الحرب
يقول مدير مؤسسة المستقبل للتنمية والبيئة، علي الديراوي: "الهدنة لم تعالج شيئا من تبعات الحرب، وآلاف الأسر لا تزال نازحة وبلا دخل، والأعمال الحرفية متوقفة، والمدخرات تبخرت بفعل الغلاء وتراكم الديون".
ويضيف الديراوي أن "الحديث عن تحسن الأوضاع، بناء على روايات إعلامية إسرائيلية عن دخول المساعدات، يعكس صورة مضللة للممولين في الخارج، ما يدفع بعضهم للاعتقاد بأن دورهم انتهى".
تحذيرات من حملات التشويه الممنهجة
تحذر مسؤولة الإعلام في مؤسسة "غزي دستك" التركية للإغاثة، إسراء الشريف، من تراجع الاهتمام العالمي بغزة بشكل لافت منذ بدء الهدنة، رغم أن الاحتياج الحقيقي يبدأ بعد توقف الحرب.
وترى الشريف أن أخطر ما تواجهه المؤسسات الإنسانية اليوم هو حملات التشويه التي تستهدف المتطوعين والداعمين وتتهمهم بالفساد، ما أدى إلى تراجع التبرعات وانكماش الثقة.
وتؤكد أن هذه الحملات "جزء من مسعى ممنهج لضرب ثقة العالم بأي جهة تقدم المساعدة لغزة، بهدف خنق آخر شريان دعم يصل للمدنيين".
خلاصة: الهدنة بداية مرحلة أصعب
هذه الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة القادمة إن لم يستمر الدعم بكثافة. فغزة اليوم ليست بحاجة إلى "مساعدات طارئة" فحسب، بل إلى خطة شاملة للدعم والإغاثة وإعادة البناء.
كما تؤكد الشريف: "الهدنة ليست نهاية المأساة، بل بداية مرحلة أصعب، وإذا تراجع العالم الآن، فإنه لا يترك غزة بلا قصف فقط، بل يتركها بلا حياة".