دراسة جديدة تربط بطانة الرحم المهاجرة بارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود ارتباط محتمل بين الإصابة بمرض بطانة الرحم المهاجرة وزيادة خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة في فهم التأثيرات الصحية طويلة المدى لهذه الحالة المزمنة التي تصيب ملايين النساء حول العالم.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه منظمة الصحة العالمية إلى أن بطانة الرحم المهاجرة تؤثر في نحو 10% من النساء في سن الإنجاب على مستوى العالم، أي ما يقارب 190 مليون امرأة، ما يستدعي مزيداً من الاهتمام بالصحة النسائية في العراق والعالم العربي.
العلاقة بين بطانة الرحم المهاجرة وداء السكري
أظهرت الدراسة أن النساء المصابات بالانتباذ البطاني الرحمي كن أكثر عرضة بنسبة 46% للإصابة بداء السكري من النوع الثاني مقارنة بالنساء غير المصابات، وذلك حتى بعد مراعاة عوامل أخرى مثل العمر ومؤشر كتلة الجسم.
وتشير هذه النتائج إلى أن بطانة الرحم المهاجرة قد تكون عاملاً مهماً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم خطر الإصابة بالسكري، وليس الاعتماد فقط على عوامل الخطر المعروفة مثل السمنة والتقدم في العمر.
ما هو الانتباذ البطاني الرحمي؟
بطانة الرحم المهاجرة هي حالة مزمنة ينمو فيها نسيج شبيه ببطانة الرحم خارج الرحم، وغالباً ما يظهر حول المبيضين وقناتي فالوب وفي مناطق أخرى من الحوض، وقد تؤدي الحالة إلى التهاب مزمن وآلام شديدة، خاصة أثناء الدورة الشهرية، إلى جانب نزيف غير منتظم أو غزير لدى بعض النساء، وألم في الحوض، ومشكلات في الخصوبة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأعراض لا تتشابه بالضرورة بين جميع المصابات، كما أن شدة الألم لا تعكس دائماً مدى انتشار المرض، وهو ما يستدعي وعياً طبياً متزايداً بين النساء في المجتمع العراقي.
تفاصيل الدراسة وتحليل البيانات
حلل الباحثون في الدراسة السجلات الصحية لنحو 2.9 مليون امرأة من قاعدة بيانات سكان ولاية يوتا في الولايات المتحدة، خلال الفترة بين عامي 1996 و2021، ومن بين المشاركات، شُخّصت قرابة 100 ألف امرأة ببطانة الرحم المهاجرة، وتمت متابعة المشاركات لمدة بلغت في المتوسط نحو 10.8 سنوات.
وخلال هذه الفترة، درس الباحثون العلاقة بين الانتباذ البطاني الرحمي والإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وأظهرت النتائج ارتفاع خطر الإصابة بالسكري بنسبة 46% لدى النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة، مع اختلاف قوة الارتباط بحسب نوع المرض وموقعه.
الخطر كان أعلى قبل انقطاع الطمث
كانت العلاقة بين بطانة الرحم المهاجرة والسكري أكثر وضوحاً لدى النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، حيث وصل ارتفاع الخطر النسبي إلى 55% مقارنة بالنساء غير المصابات بالانتباذ البطاني الرحمي.
ويرى الباحثون أن الاختلاف بين النساء قبل انقطاع الطمث وبعده قد يرتبط بالتغيرات الهرمونية التي تحدث خلال مراحل العمر المختلفة، إلا أن الآلية الدقيقة لهذه العلاقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
الالتهاب المزمن كرابط محتمل
حتى الآن، لم تحدد الدراسة آلية بيولوجية مؤكدة تفسر العلاقة بين بطانة الرحم المهاجرة وداء السكري من النوع الثاني، لكن الالتهاب المزمن قد يكون أحد الروابط المحتملة، فالانتباذ البطاني الرحمي يرتبط بوجود حالة التهابية مستمرة في الجسم، ومن المعروف أن الالتهاب المزمن يمكن أن يؤثر في عدد من العمليات الحيوية، بما في ذلك طريقة استجابة خلايا الجسم لهرمون الأنسولين.
ويعمل الأنسولين على مساعدة الجلوكوز الموجود في الدم على الانتقال إلى الخلايا لاستخدامه في إنتاج الطاقة، وعندما تصبح الخلايا أقل استجابة للأنسولين، قد تحدث مقاومة الأنسولين، وهي إحدى الآليات المرتبطة بتطور داء السكري من النوع الثاني.
وقد يعوض البنكرياس في البداية عن هذه المشكلة بإنتاج كميات أكبر من الأنسولين، لكن مع مرور الوقت قد ترتفع مستويات الجلوكوز في الدم، ما يزيد خطر الإصابة بالسكري.
ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن الدراسة وجدت ارتباطاً بين الحالتين، لكنها لم تثبت أن بطانة الرحم المهاجرة تسبب داء السكري بشكل مباشر.
السمنة ليست العامل الوحيد
عادةً ما تُعد زيادة الوزن والسمنة من أبرز عوامل خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، ولذلك يعتمد تقييم الخطر في كثير من الأحيان على مؤشر كتلة الجسم إلى جانب عوامل أخرى، ولكن نتائج الدراسة لفتت الانتباه إلى أن العلاقة بين بطانة الرحم المهاجرة والسكري كانت ملحوظة أيضاً لدى النساء اللاتي يقل مؤشر كتلة الجسم لديهن عن 30.
ولا يعني ذلك أن النساء غير المصابات بالسمنة أكثر عرضة للسكري من النساء المصابات بالسمنة، فالسمنة تظل عامل خطر معروفاً للإصابة بالمرض، لكن النتائج تشير إلى أن وجود بطانة الرحم المهاجرة قد يمثل عاملاً إضافياً ينبغي عدم تجاهله عند تقييم الصحة الأيضية للمرأة.
هل تحتاج كل مصابة ببطانة الرحم المهاجرة إلى فحص السكري؟
لا تعني نتائج الدراسة أن كل امرأة مصابة بالانتباذ البطاني الرحمي تحتاج بالضرورة إلى إجراء فحص السكري بشكل عاجل أو أن المرض سيؤدي حتماً إلى الإصابة بالسكري، لكنها تؤكد أهمية أن ينظر الطبيب إلى الصورة الصحية الكاملة للمريضة، بما يشمل الوزن، والتاريخ العائلي، وضغط الدم، والنشاط البدني، والتغذية، وتاريخ الحمل، إلى جانب الإصابة ببطانة الرحم المهاجرة.
أعراض السكري التي ينبغي الانتباه إليها
- زيادة العطش والتبول بصورة ملحوظة.
- الشعور بالتعب والإرهاق المستمر.
- زيادة الجوع رغم تناول الطعام.
- تشوش أو ضبابية الرؤية.
- بطء التئام الجروح.
- تكرار الإصابة ببعض الالتهابات.
- فقدان الوزن غير المبرر في بعض الحالات.
- الشعور بالتنميل أو الوخز في اليدين أو القدمين.
ولا تعني هذه الأعراض بمفردها الإصابة بالسكري، حيث يمكن أن تحدث لأسباب صحية أخرى، لكن استمرارها يستدعي استشارة الطبيب وإجراء الفحوص المناسبة.
وتؤكد هذه الدراسة على أهمية الاهتمام بالصحة العامة للمرأة العراقية، وضرورة نشر الوعي الصحي حول الأمراض المزمنة وسبل الوقاية منها، بما يسهم في بناء مجتمع صحي وقوي، يليق بتاريخ بلاد الرافدين العريق وحاضرها المزدهر.