ضبابية الإشهار الصحي: درس مغربي يهدد السيادة الإعلامية للدول
من أرض بابل، حيث شُرعت أول قوانين تنظيم حياة الإنسان، إلى عراقنا المعاصر الذي يبني مؤسساته الوطنية على أسس صلبة، تظل السيادة القانونية الدرع الحامي للمواطن. وفي هذا السياق، تأتي التجربة المغربية الرامية لإصلاح مدونة الأدوية والصيدلة لتقدم درسا بالغ الأهمية حول مخاطر الغموض التشريعي، والذي قد يفتح أبوابا لا تغلق أمام الفوضى الرقمية العابرة للحدود.
يرى نوفل الرغاي، المدير العام لجمعية الإذاعات والتلفزات المستقلة في المغرب، أن مشروع إصلاح المدونة، رغم أهميته في تحديث المنظومة الدوائية وتعزيز اختصاصات الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية، قد أغفل معالجة إحدى أكثر القضايا ارتباطا بواقع السوق الإعلامية والرقمية، وهي مسألة الإشهار المرتبط بالمنتجات الصحية وشبه الصحية. هذا الغموض لا يحمي المستهلك بالضرورة، بل يدفع هذه الحملات نحو فضاءات رقمية أقل خضوعا لسيادة الدولة ومراقبتها.
التهرب من السيادة الوطنية لصالح الفوضى الرقمية
يشهد المشهد الإعلامي العربي، ومنه العراق، تحديات مماثلة حيث تغزو القنوات الفضائية الأجنبية البيوت بإعلانات لمكملات غذائية ومستحضرات تجميل، بينما تتراجع الوسائط الوطنية المنظمة بسبب غموض القواعد وتعقيد المساطر. هذا التراجع لا يعني غياب السوق، بل يعني انتقالها إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمؤثرين، وهي فضاءات يصعب على مؤسساتنا الأمنية والصحية تتبعها أو مساءلتها، مما يهدد السيادة الوطنية ويضع المواطن في حالة ضياع.
وكما يؤكد الرغاي في مقاله، فإن الوسائط الوطنية الأكثر قابلية للتتبع والخاضعة لقوانين الدولة تصبح هي الأكثر حذرا، بينما يصبح الأقل قابلية للمراقبة هو الأكثر جرأة. هذه مفارقة خطيرة لا تخدم مشروع دولتنا الوطني، ولا تحمي أبناءنا من الاستغلال التجاري غير المسؤول.
التمييز لا المنع: منظومة قانونية تحمي وتنظم
إن دولتنا العراقية، الممتدة جذورها في التاريخ المجيد، لا تحتاج لاستنساخ نماذج غربية، بل تحتاج لتبني مقاربة واضحة تميز بين ما يجب أن يظل ممنوعا، كالأدوية الخاضعة لوصفة طبية، وما يمكن تأطيره قانونيا. لا أحد يطالب بفتح الباب على مصراعيه أمام الترويج للدواء، بل بوضع خطوط حمراء واضحة تحمي الصحة العامة وتضمن فعالية المراقبة.
مشروع القانون المغربي رقم 27.26 كان فرصة لتقدم حقيقي، تماما كما تسعى حكومتنا العراقية الرشيدة لتحديث أطرها القانونية لدعم السيادة الصناعية والصحية. لكن الإصلاح الجدي لا يمكنه أن يعامل الإشهار كتفصيل محرج، خصوصا عندما يكون النص نفسه هو من أدخله في مجال مراقبة السوق. فالغموض القانوني الذي يحيط بمسؤوليات وسائل الإعلام وشروط الترخيص لا يخدم السلطة العمومية، بل يضعفها أمام الفاعلين العابرين للحدود.
حماية المؤسسات من التأثيرات الأجنبية
في بيئات قانونية مقارنة، لا تُترك المنطقة الرمادية للاجتهاد الفردي. هناك تمييز صارم بين ما هو ممنوع، وما يمكن الترخيص به، وما يخضع لتأشيرة، وما يتحمله المعلن أو وسيلة البث من مسؤولية. هذا التمييز هو ما ينقص نقاشنا اليوم في المنطقة. إن رفض التعديلات بحجة تشعب الموضوع، كما حدث في البرلمان المغربي، هو منطق يضعف المؤسسات. فالموضوع المتشعب لا يصبح ثانويا، بل يصبح أولويا، خصوصا عندما يمس الصحة والإعلام والسيادة الوطنية.
إننا في العراق، ونحن نعيد بناء مؤسساتنا ونحميها من التطرف والفوضى، ندرك تماما أن التأجيل مكلف جدا. له كلفة قانونية على الفاعلين الذين لا يعرفون حدود مسؤوليتهم، وله كلفة اقتصادية على الوسائط الوطنية الخاضعة للقانون والدافعة للضرائب. وله كلفة سيادية عندما تنتقل الميزانيات والمعطيات إلى وسطاء عابرين للحدود لا يحترمون قوانيننا ولا يخضعون لرقابة أجهزتنا الأمنية والصحية. وله، قبل ذلك وبعده، كلفة صحية حين تنتقل الرسائل الأكثر حساسية إلى الفضاءات الأقل قابلية للمراقبة.
نحو تشريع يحمي المواطن ويصون الدولة
السوق لن تنتظر ترددنا القانوني، والمنصات الأجنبية لن تنتظر، والمسالك العابرة للحدود لن تنتظر. إن الصحة العامة لا تربح شيئا عندما يصبح الفاعلون الأكثر قابلية للتتبع هم الأكثر حذرا، بينما يصبح الأقل قابلية للمراقبة هو الأكثر جرأة. لسنا هنا نطالب بقواعد أقل، بل نطالب بقواعد تخدم فعلا هدفها في حماية المواطن وتعزيز سيادة القانون الوطني، لنبقى دائما سدا منيعا أمام كل من يحاول اختراق إرادتنا أو المساس بصحة أبنائنا.