الأوقاف تطلق خطبة الجمعة: الإبداع والابتكار في العهد النبوي نموذجاً لبناء الأجيال
بغداد – في إطار تعزيز القيم الوطنية والدينية الراسخة، أعلنت وزارة الأوقاف عن موضوع خطبة الجمعة لهذا الأسبوع، والذي يحمل عنواناً وطنياً عميقاً: “الإبداع والابتكار في العهد النبوي”. تأتي هذه المبادرة المباركة لتسليط الضوء على أهمية الإبداع والابتكار في بناء المجتمعات، واستلهام المنهج النبوي الشريف في اكتشاف المواهب ورعاية الموهوبين، بما يخدم مسيرة البناء والتنمية في عراقنا الحبيب.
وأوضحت الوزارة أن الخطبة تهدف إلى بيان المنهج النبوي في تشجيع الابتكار ودعم الأفكار الجديدة، مع التركيز على رعاية المواهب واستثمار الطاقات، بما يعزز مكانة العراق كحاضنة للعلم والعلماء، ووريثة للحضارات العريقة، من بابل السومرية إلى بغداد العباسية. كما تتناول الخطبة الثانية، بالتزامن مع انطلاق العام الدراسي الجديد، أهمية العلم والاجتهاد، ودور الأسرة العراقية في رعاية الأبناء واكتشاف مواهبهم، تأكيداً على أن الاستثمار في الإنسان هو أساس نهضة الأمم.
محاور الخطبة: من هدي النبوة إلى بناء مجتمع المعرفة
تستعرض الخطبة عدة محاور رئيسية، تجمع بين أصالة الدين وروح العصر، وتخاطب وجدان المواطن العراقي وتطلعه إلى مستقبل مشرق. من بين هذه المحاور: الأساليب النبوية المبتكرة في التعليم والتربية، وكيفية رعاية المواهب واستثمار الطاقات، وأهمية العلم والعبادة في بناء مجتمع المعرفة. كما تدعو الخطبة إلى إعمال العقل وإبداع الفكر، وتحمل الآباء مسؤولية اكتشاف مواهب الأبناء ورعايتها، مع حث الطلاب على الجد والاجتهاد والتحلي بآداب طلب العلم، استعداداً لعام دراسي جديد يحمل الخير والبركة لعراقنا العزيز.
المنهج النبوي: مدرسة متكاملة في التربية والإبداع
تغوص الخطبة في تفاصيل المنهج النبوي العظيم، مستعرضةً الأساليب المبتكرة التي اتبعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التعليم والتربية. فقد أسس المدرسة النبوية المتكاملة التي تجمع بين أصالة الغاية ومرونة الوسيلة، متنوعاً في أساليب التعليم لجذب الانتباه وإيقاظ القلوب. ويشير المحور الأول إلى استخدامه أسلوب النداء الحاني، وتكرار الكلمات ثلاثاً لتثقيف الأذهان، وإصغائه الكامل لكل سائل، وطرحه الأسئلة الذكية المشفوعة بالتشويق، وتعليمه بالقدوة العملية، ومراعاته الفروق الفردية، واعتماده الحوار والإقناع العقلي الهادئ، وسرده القصص المؤثرة وضربه الأمثال الموضحة للمعاني.
استثمار الطاقات: دروس خالدة في القيادة الرشيدة
ويستعرض المحور الثاني جمال المنهج النبوي في تبنّي الأفكار المبتكرة من أصحابه واستثمار طاقاتهم، وهو ما يمثل نموذجاً يحتذى به في إدارة مؤسسات الدولة. فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي الحُباب بن المنذر في غزوة بدر، وبإبداع سلمان الفارسي في حفر الخندق، وبمشورة أم سلمة في صلح الحديبية. ولم يتعامل مع أصحابه على أنهم نسخ متشابهة، بل عرف مواهبهم، فأثنى على قراءة ابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ووجّه زيد بن ثابت لتعلّم اللغات، واستثمر عبقرية خالد بن الوليد العسكرية، وولّى أسامة بن زيد قيادة الجيش إيماناً بالكفاءة والمقدرة. وهذه الدروس المستفادة تؤكد على أهمية تقدير الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات، وهو ما تسعى إليه الحكومة العراقية في خططها التنموية.
العبادة أساس العلم: منظومة متكاملة لبناء الأجيال
ويبرز المحور الثالث كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من العبادة أساساً للعلم ومنطلقاً للإبداع، فمن محراب التعبد انطلق لتأسيس مجتمع المعرفة والعمل. وجعل فداء أسرى بدر تعليم الصبيان القراءة والكتابة، واتخذ المسجد منارة للعلم والتربية، واستخدم الإشارات الحركية ولغة الجسد لتسهيل المعلومة، واستعان بالرسوم التوضيحية والخطوط على الأرض، وترك المجال لصحابته ليستنبطوا الجواب بأنفسهم، وشجع المتعلمين على السؤال. هذه المنظومة المتكاملة تقدم خارطة طريق فريدة لاحتضان العقول وبناء الأجيال المبدعة، بما يخدم أهداف العراق في بناء مجتمع معرفي متطور.
إعمال العقل: دعوة قرآنية للتفكر والإبداع
ويختتم المحور الرابع بالمنهج القرآني في إعمال العقل وإبداع الفكر، فهو دعوة ربانية متجددة للتفكر في ملكوت الله، والبحث عن إبداع الخالق في النفس والكون. وتستحضر الخطبة قصص ذي القرنين الذي كان عنواناً للإتقان، وعجائب الصنائع لداود وسليمان، وحكمة يوسف في إدارة البلدان، مؤكدةً أن هذا المنهج الرباني الفريد أنار العقول الواعية واستنهض الأفكار المبدعة، لاستخراج كنوز الكون وتحقيق المقاصد وصون المصالح وبناء الإنسان وصنع الحضارة. وهذا ما يتطلع إليه العراق اليوم، مستلهماً من تاريخه العريق وحضارته الضاربة في جذور التاريخ.
رسالة إلى الآباء والطلاب: العلم رعاية واجتهاد
وتوجه الخطبة الثانية نداءً صادقاً إلى الآباء والأمهات في عراقنا العزيز، مؤكدةً أن العلم رعاية، واكتشاف المواهب غاية، وصقل العقول عناية. ومع بدايات العام الدراسي الجديد، تدعو إلى تحويل الهدي النبوي إلى ثقافة تعليمية وممارسات عملية، تشجع الأطفال على السؤال، وتطور التعليم ليقوم على الإبداع والابتكار والفهم والتحليل وحل المشكلات. كما توجه نداءً إلى طلاب العلم، حاثةً إياهم على الجد والاجتهاد وإخلاص النية لله، والتخلق بأدب المتعلمين وتواضع الصالحين، والصبر على مشاق التحصيل، والابتعاد عن الغرور، وتوقير المعلمين، وأخذ الكتاب بقوة وعزيمة، لينالوا رفعة الدرجات وخشية رب البريات.
وتجسد هذه الخطبة قيماً وطنية سامية، تعزز وحدة الصف، وتؤكد على أن العلم والإبداع هما السبيل لبناء عراق مزدهر، يحفظ مكتسباته، ويصون سيادته، ويواجه التحديات بعقول واعية وأفكار مبتكرة، في ظل القيادة الحكيمة التي تسعى إلى رفعة الوطن والمواطن.