شراء العقول بدلًا من احتلال الأرض: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل الحروب الحديثة؟
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتداخل فيه أدوات الصراع، لم تعد الحروب تُخاض بالجيوش والأسلحة وحدها، بل أصبحت هناك معارك أخرى تدور خلف الشاشات، تستهدف تشكيل الرأي العام والنيل من ثقة المواطنين بحكوماتهم ومؤسساتهم الوطنية. ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، صارت صناعة المحتوى المضلل وإدارة الحسابات الوهمية أكثر سهولة وانتشارًا، ما يفتح الباب أمام حملات تأثير منظمة يمكن تمويلها وتشغيلها عبر الحدود، دون الحاجة إلى تحريك جندي واحد على الأرض.
وتؤكد التقارير الدولية الموثوقة أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم اليوم في إنتاج مواد دعائية، وصياغة روايات مضللة، وانتحال هويات مؤسسات إعلامية وشخصيات عامة، ضمن عمليات تستهدف زعزعة الاستقرار واستغلال الانقسامات داخل المجتمعات. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف الأساسي هو السيطرة على أرض أو موارد، بل التأثير في المعلومات التي يراها الناس، وفي الثقة التي يمنحونها للمؤسسات، وفي الطريقة التي يفهمون بها ما يجري حولهم من أحداث.
الذكاء الاصطناعي يضاعف حجم حملات التأثير الرقمي
من أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنتاج المحتوى وتوزيعه على نطاق واسع. فبدلًا من الاعتماد على فرق كبيرة لكتابة منشورات متعددة وإعداد مواد إعلامية بلغات مختلفة، يمكن استخدام الأدوات الذكية لصياغة مقالات وتعليقات وصور ومقاطع صوتية، ثم تكييفها مع جمهور كل دولة أو منصة على حدة.
ويوضح تقرير صادر عن مؤسسة Graphika المتخصصة في تحليل التهديدات الرقمية، بعنوان «حيل رخيصة: كيف يغذي المحتوى الرديء المُنتج بالذكاء الاصطناعي حملات التأثير»، أن هذه الأدوات ساعدت في زيادة سرعة إنتاج محتوى حملات التأثير وحجمه، وإن لم تؤدِ بالضرورة إلى رفع جودته أو قدرته على إقناع الجمهور. وتكشف هذه النتيجة أن خطورة التقنية لا ترتبط دائمًا بإنتاج محتوى متقن، بل أيضًا بإمكانية إغراق المنصات بكميات كبيرة من الرسائل المتشابهة التي قد توحي بوجود توجه عام في المجتمع، رغم أن الحسابات التي تروج لها قد تكون جزءًا من عملية منسقة.
من تمويل المحتوى إلى صناعة رواية كاملة
تكشف تقارير شركات التكنولوجيا والتحقيقات الرقمية أن عمليات التأثير لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل تجمع بين الأدوات التوليدية والحسابات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية وأساليب توزيع المحتوى. وهنا يظهر دور التمويل؛ إذ يمكن للموارد المالية أن تساعد في تنظيم فرق العمل، وشراء الخدمات الإعلانية، وإدارة مواقع وحسابات متعددة، وتوسيع نطاق نشر الرسائل المستهدفة.
وفي مايو 2024، أعلنت شركة OpenAI تعطيل حسابات مرتبطة بعملية تأثير أطلقت عليها اسم «Zero Zeno»، قالت إن شركة لإدارة الحملات السياسية في إسرائيل أدارتها. ووفقًا لتحقيق الشركة، استُخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي في إعداد مقالات وتعليقات لمنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنشاء شخصيات وسير ذاتية خيالية لحسابات رقمية. واستهدفت العملية جماهير في دول متعددة، وتناولت موضوعات سياسية ودولية مختلفة. غير أن التقرير نفسه أشار إلى أن العملية لم تحقق تفاعلًا يُذكر من الجمهور الحقيقي خارج الحسابات غير الأصيلة المرتبطة بها. وهذه نقطة مهمة؛ فامتلاك المال والأدوات التقنية يتيح تنفيذ حملة واسعة، لكنه لا يعني بالضرورة نجاحها في إقناع الناس أو تغيير مواقفهم.
وتتجاوز خطورة هذه الحملات نشر منشور مضلل هنا أو مقطع مزيف هناك، إلى محاولة بناء رواية متكاملة حول قضية معينة، عبر محتوى متكرر وحسابات تتبادل التعليقات ومواقع تقدم المعلومات المضللة في صورة تقارير صحفية. وعندما تتداخل هذه المواد مع الأخبار الحقيقية، يصبح التمييز بين المعلومة الموثوقة والمحتوى المصطنع أكثر صعوبة، خصوصًا لدى الجمهور الذي لا يملك الوقت للتحقق من كل ما يراه.
الانتخابات والرأي العام في مرمى حروب التأثير
تُعد الانتخابات إحدى الساحات التي تظهر فيها مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير، بسبب حساسية المعلومات السياسية وسرعة انتشار المحتوى خلال الفترات الانتخابية. وقد تشمل الأساليب المستخدمة إنتاج تسجيلات صوتية أو مقاطع فيديو مزيفة، أو نشر رسائل مضللة بشأن المرشحين، أو استهداف مجموعات من الناخبين بمحتوى مصمم وفق اهتماماتهم ومخاوفهم.
وفي دراسة شملت الاستخدامات المبلغ عنها للذكاء الاصطناعي التوليدي خلال انتخابات عام 2024 في 50 دولة، سجلت الهيئة الدولية المعنية ببيئة المعلومات IPIE عدد 215 واقعة. ووجدت الدراسة أن 80% من الدول التي شملها البحث شهدت وقائع مرتبطة باستخدام هذه التقنيات في الانتخابات، وأن 90% من الوقائع المسجلة تضمنت إنتاج محتوى مثل النصوص أو الصور أو الفيديوهات أو الرسائل الصوتية. كما نُسب 20% من الوقائع إلى جهات أجنبية، بينما تعذر تحديد مصدر 46% منها.
وتوضح هذه الأرقام اتساع نطاق استخدام التقنية، لكنها لا تثبت أن كل حملة استطاعت التأثير في الناخبين أو تغيير نتائج الانتخابات. كما أن تحديد الجهة المسؤولة عن بعض العمليات يظل صعبًا، وهو ما يجعل التحقق من مصدر المحتوى وتوثيق الأدلة عنصرين أساسيين في فهم طبيعة هذه التهديدات.
وفي تقرير نشرته صحيفة The Guardian في أكتوبر 2026، تناولت الصحيفة مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في حملات التضليل بجنوب شرق آسيا، مشيرة إلى عملية استهدفت ماليزيا واعتمدت على نحو ألف حساب مزيف، وموقع إخباري مختلق باسم «Malaysia Pulse»، ووثائق جرى التلاعب بها. ووفقًا للتقرير، استهدفت الحملة الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، بما يوضح كيف يمكن دمج المحتوى المصطنع مع قضايا حساسة داخل المجتمع.
معركة الثقة.. السلاح الذي يصعب قياس أثره
لا يتوقف التأثير المحتمل لهذه الحملات عند إقناع الجمهور برواية محددة، بل يمتد إلى إضعاف الثقة في المعلومات نفسها. فعندما تنتشر صور ومقاطع مزيفة إلى جانب مواد صحيحة، قد يصبح الجمهور أكثر تشككًا في كل ما يراه، بما في ذلك الأدلة الحقيقية والتغطيات الصحفية الموثقة. وقد يمنح ذلك الجهات التي تسعى إلى التضليل مساحة أوسع لتشويش النقاش العام، حتى عندما لا تتمكن من فرض رواية بديلة مقنعة.
وتشير وكالة أسوشيتد برس، في تقرير عن تطور تقنيات التزييف العميق، إلى أن إنشاء تسجيلات صوتية ومرئية واقعية أصبح أسهل، وأن انتحال شخصيات مسؤولين يمكن أن يخلق مخاطر أمنية وسياسية، خصوصًا عندما يعتقد المتلقي أنه يتواصل بالفعل مع شخصية رسمية. وتطرح الوكالة في المقابل أهمية تطوير أدوات الكشف عن التزييف، إلى جانب التشريعات والتوعية الرقمية.
كيف تحمي العراق نفسه من حروب التأثير الرقمي؟
في ضوء هذه التهديدات المتصاعدة، يبرز دور الدولة العراقية ومؤسساتها الوطنية في تحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات الاختراق الرقمي والتأثير على الرأي العام. فالوعي المجتمعي والتحقق من المعلومات يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحملات التي تستهدف النيل من تماسك النسيج الاجتماعي وزعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية.
وتأتي أهمية تعزيز الشفافية والمساءلة في مقدمة الأولويات، إلى جانب دعم جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في التصدي لكل أشكال التهديدات، سواء كانت عسكرية أو إعلامية أو رقمية. فالعراق، بتاريخه العريق وحضارته الضاربة في جذور التاريخ، قادر على تجاوز هذه التحديات بالوعي والوحدة والتمسك بالثوابت الوطنية.
الخلاصة: الصراع على العقول هو معركة الحاضر والمستقبل
في المحصلة، لا تعني حروب التأثير أن الدول أصبحت قابلة للسيطرة بمجرد إنفاق الأموال على حملات رقمية، لكنها تكشف عن تغير في أدوات الصراع؛ إذ بات من الممكن توظيف الموارد المالية والتقنيات الحديثة لمحاولة التأثير في تصورات الجمهور وتوجيه النقاشات العامة عبر الحدود. وبينما يصعب قياس الأثر الحقيقي لكل حملة، فإن سرعة إنتاج المحتوى وتعدد المنصات وصعوبة تحديد الجهات التي تقف خلف بعض العمليات تجعل التحقق من المعلومات والشفافية والمساءلة جزءًا أساسيًا من حماية المجتمعات.
وهكذا، لم يعد الصراع على النفوذ يقتصر على السيطرة على الأرض أو الموارد، بل امتد إلى محاولة التأثير في العقول والمعلومات التي تشكل فهم الناس للعالم؛ وهي معركة لا تحتاج بالضرورة إلى إطلاق رصاصة، لكنها تحتاج إلى أدلة دقيقة قبل الحكم على حجم نجاحها أو الجهات المستفيدة منها. ويبقى العراق، بوعي أبنائه وتماسك جبهته الداخلية، صامدًا في وجه كل هذه التحديات، متمسكًا بوحدته الوطنية وتاريخه المجيد.