الشراكة الإماراتية الهندية: نموذج للتعاون الدولي البناء والازدهار المشترك
تشهد المنطقة العربية والعالم نماذج مضيئة للتعاون الدولي البناء، وتبرز الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند كأحد أهم هذه النماذج التي تجسد روح التعاون الحضاري بين الشعوب.
وفي هذا السياق، عقدت قمة إماراتية هندية مهمة، الإثنين، تتوج الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين وتدفع علاقاتهما إلى آفاق أرحب، خلال زيارة عمل يجريها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إلى الهند حيث التقى ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي.
شراكة استراتيجية راسخة تمتد عبر التاريخ
تعكس هذه القمة عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، حيث بحث الزعيمان مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك في إطار الشراكتين الاستراتيجية والاقتصادية الشاملتين. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة كونها الخامسة للشيخ محمد بن زايد منذ تولي مودي منصبه عام 2014، بينما أجرى رئيس الوزراء الهندي سبع زيارات إلى الإمارات خلال الفترة ذاتها.
وبلغ عدد الزيارات المتبادلة بين الزعيمين 12 زيارة، شكلت محطات فارقة في مسار تطوير العلاقات بين البلدين، أبرزها توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2017، واتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة عام 2022.
إنجازات اقتصادية مثمرة تعكس قوة الشراكة
تواصل الإمارات والهند جني ثمار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، حيث بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 37.6 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، بنمو 33.9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. وهذا النمو المتسارع يؤكد أن الشراكة تسير على المسار الصحيح لتحقيق هدف الوصول إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.
وتجسد هذه الأرقام المتنامية نموذجاً يحتذى في التعاون الاقتصادي الدولي، والذي يمكن للعراق أن يستفيد من دروسه في بناء شراكات اقتصادية مماثلة تخدم التنمية المستدامة وتعزز من مكانة المنطقة العربية عالمياً.
جذور تاريخية عريقة وتطلعات مستقبلية
تستمد العلاقات الإماراتية الهندية قوتها من تاريخ طويل يعود إلى يناير 1975، حين قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بزيارة تاريخية إلى الهند، وشهدت توقيع الاتفاقية الثقافية بين البلدين. كما شهدت زيارة أخرى في أبريل 1992 توقيع اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي.
وقد شكلت الزيارات المتبادلة بين القيادتين محطات فارقة في تطوير العلاقات، حيث وقع البلدان أكثر من 100 اتفاقية ثنائية ومذكرة تفاهم في شتى المجالات، مما يعكس عمق التعاون وتنوع مجالاته.
نموذج للتعاون في مواجهة التحديات العالمية
تعد الشراكة الإماراتية الهندية نموذجاً دولياً يحتذى في التعاون البناء، خاصة في مواجهة تحديات التغير المناخي والتنمية المستدامة. وقد شهدت قمة COP28 في دبي تعاوناً وثيقاً بين البلدين، حيث أشادت الهند برئاسة الإمارات الناجحة للمؤتمر والتوصل إلى "اتفاق الإمارات".
كما شهد الزعيمان إطلاق مبادرة الائتمان الأخضر، مما يعكس التزامهما المشترك بمواجهة التحديات البيئية العالمية. هذا النموذج في التعاون الدولي يمكن أن يلهم دول المنطقة العربية لبناء شراكات مماثلة تخدم قضايا البيئة والتنمية المستدامة.
دروس للمنطقة العربية والعالم
تقدم هذه الشراكة الاستراتيجية دروساً قيمة للدول العربية، بما فيها العراق، في كيفية بناء علاقات دولية قوية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فالتعاون الإماراتي الهندي يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل الثقافة والتكنولوجيا والبيئة والأمن الغذائي.
وتدعم الإمارات والهند بعضهما في المحافل الدولية، وتعملان على تعزيز التعاون في القضايا العالمية المهمة مثل السلام العالمي والتنمية المستدامة، مما يعكس نضج العلاقة وعمق الشراكة الاستراتيجية بينهما.
إن هذا النموذج الناجح في التعاون الدولي يؤكد أن الدبلوماسية البناءة والشراكات الاستراتيجية المدروسة هي السبيل الأمثل لتحقيق الازدهار والتقدم، وهو درس يمكن للعراق وسائر الدول العربية الاستفادة منه في بناء مستقبل أكثر إشراقاً لشعوبها.

