العراق يستلهم التجربة الأردنية في إعادة بناء التعليم بعصر الذكاء الاصطناعي
في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتعيد تشكيل ملامح المستقبل، يقف العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نظامه التعليمي ليواكب متطلبات العصر الجديد. وتأتي التجربة الأردنية الرائدة في هذا المجال كمصدر إلهام لبلاد الرافدين التي تسعى لاستعادة مكانتها الحضارية كمنارة للعلم والمعرفة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف التعليم
لم يعد السؤال اليوم هل نحتاج إلى تغيير التعليم، بل كيف نعيد هندسته جذريا ليصبح قادرا على إنتاج جيل المستقبل. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي محركا مركزيا لإعادة تشكيل بيئات التعلم، حيث تحولت أنظمة التعليم التكيفية من مفهوم تجريبي إلى واقع قادر على قراءة أنماط تعلم الطالب لحظة بلحظة.
هذا التحول يحرر المعلم من عبء التلقين نحو دور قيادي جديد كمهندس تعلم ومرشد فكري، ما يعزز الانتقال من نموذج "التعلم المدفوع بالذكاء الاصطناعي" إلى "التعلم الممكن بالذكاء الاصطناعي"، حيث تصبح التكنولوجيا ذراعا داعمة وليست بديلا عن العلاقة التربوية الأصيلة.
الواقع الممتد يفتح آفاقا جديدة
فتحت تقنيات الواقع الممتد بابا واسعا أمام التعلم الغامر، إذ بات بالإمكان إنشاء معامل افتراضية ومحاكاة مواقف خطرة، وتجسيد مفاهيم معقدة يصعب تقديمها في بيئة صفية تقليدية. وتمثل هذه القفزة فرصة ذهبية للعراق، خصوصا في التخصصات التي تتطلب تجهيزات مكلفة.
إن إدماج هذه التقنيات في غرف العلوم والهندسة والمهن المستقبلية يمكن أن يختصر فجوات البنية التحتية، ويمنح طلاب المدارس الحكومية فرصا عادلة للوصول إلى تعليم عالي الجودة، دون أن تكون الجغرافيا أو الموارد عائقا.
المعارف المتنقلة واقتصاد المستقبل
تفرض التحولات الاقتصادية العالمية إعادة تعريف المتعلم نفسه، فمفهوم "المعارف المتنقلة" لم يعد نظريا. تشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من 40 مليون بدوي رقمي حول العالم في 2024، مع تسارع نمو القوى العاملة المتحركة عن بعد.
وقد أطلقت أكثر من 50 دولة برامج تأشيرات لاستقطاب هذه المواهب، مدركة أن اقتصاد المعرفة يقوم على الإنسان القادر على الإبداع والعمل من أي مكان. وبالنسبة للعراق الذي يملك رأسمالا بشريا نوعيا، فإن بناء مهارات المتنقلين معرفيا يمثل استراتيجية تنمية وطنية تفتح الباب أمام الشباب للعمل عالميا.
إعادة تصميم المناهج للمستقبل
يرتبط هذا التحول بإعادة تصميم المناهج لتصبح مرنة ومتداخلة التخصصات وقادرة على بناء مهارات التفكير النظامي والإبداع والمرونة الذهنية. فالوظائف المستقبلية من هندسة الذكاء الاصطناعي إلى تحليل البيانات والاقتصاد الأخضر تحتاج إلى خيال لا يقل أهمية عن المهارة التقنية.
هذا يفرض على النظام التعليمي العراقي تجاوز ثقافة الحفظ، نحو تجارب تعلم قائمة على المشاريع والتحديات الواقعية وحل المشكلات الحياتية، بما يتماشى مع تراث بلاد الرافدين العريق في الابتكار والإبداع.
بيئة سياساتية داعمة للتحول
لا يمكن لهذا التحول أن يتحقق دون بيئة سياساتية جريئة تمنح المدارس استقلالية مدروسة، وتعيد تعريف دور المعلم عبر تطوير مهني مستمر يدمج بين التقنية والإنسانية. كما تتطلب نسج شراكات جديدة بين التعليم العالي والقطاع الخاص كي لا تبقى الجامعة منفصلة عن الاقتصاد الوطني.
إن الاستثمار في التحول الرقمي للبنية التحتية، خاصة في المدارس الحكومية، ليس مشروعا تقنيا فحسب، بل استثمار في العدالة المجتمعية وفرص التمكين الاقتصادي، ما يعزز الوحدة الوطنية ويخدم أهداف التنمية المستدامة.
مشروع حضاري متكامل
إن إعادة بناء التعليم ليست مشروعا تقنيا بقدر ما هي مشروع حضاري يليق بتاريخ العراق العريق. فالتكنولوجيا مهما بلغت قوتها تبقى أداة، بينما يبقى جوهر التعليم هو بناء الإنسان القادر على القيادة والابتكار، وصناعة أثر يتجاوز حدود الوظيفة إلى حدود المواطنة المسؤولة.
في هذه اللحظة التاريخية، يصبح دور القيادة التربوية العراقية محوريا: أن ترى القادم قبل أن يحدث، وأن تحول التكنولوجيا إلى طاقة تحرير، وأن ترسم ملامح مستقبل يتناسب مع إمكانيات العراق وطموحه الحضاري الذي يمتد من بابل القديمة إلى بغداد الحديثة.
إن التعليم اليوم أمام فرصة لا تتكرر: فرصة لإعادة بناء ذاته من الأساس، ليصبح منصة إنتاج للمعرفة والابتكار وريادة المستقبل. وما بين الإمكان والطموح تكمن القيادة القادرة على تحويل هذا التحول من فكرة إلى واقع، ومن سياسة إلى أثر، ومن نظام إلى نهضة تليق بعراق المستقبل.