العدالة الدولية بين النص والتطبيق: غزة تكشف ازدواجية المعايير
بغداد – حيدر الصباح
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتكشف فيه حقائق مؤلمة حول هشاشة المنظومة القانونية الدولية، يبرز اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية كمناسبة للتأمل في مدى التزام المجتمع الدولي بمبادئه. لقد أكد وليد فاروق، رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، أن هذا اليوم لم يعد مجرد ذكرى لاعتماد نظام روما الأساسي، بل تحول إلى محطة سنوية لمراجعة مدى قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بوعوده في حماية الإنسان ومحاسبة المجرمين.
جوهر العدالة الجنائية الدولية
أوضح فاروق أن جوهر العدالة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ بسيط وواضح: الكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود، ومرتكبو جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب يجب ألا يفلتوا من المساءلة، مهما كانت هويتهم أو مواقعهم أو موازين القوى المحيطة بهم. هذا المبدأ هو حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي.
الفجوة بين النصوص والتنفيذ
أشار الحقوقي إلى أن التطورات العالمية تفرض تساؤلات مشروعة حول اتساق الممارسة الدولية مع المبادئ المؤسسة للعدالة الجنائية. فكلما اتسعت الفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها، تراجعت ثقة الشعوب في النظام القانوني الدولي، وازدادت قناعة الضحايا بأن العدالة أصبحت رهينة الحسابات السياسية.
غزة: اختبار المصداقية
وتبقى المأساة الإنسانية في قطاع غزة النموذج الأكثر إيلاما لهذا التحدي. حجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، والنزوح الواسع، وتدهور الأوضاع الإنسانية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يجوز التنصل منها. إن قواعد القانون الدولي الإنساني لم توضع لتكون نصوصا نظرية، بل لحماية المدنيين وضمان احترام مبدأي التمييز والتناسب، وحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
المساءلة شرط أساسي لاحترام القانون
أكد فاروق أن احترام القانون الدولي لا يكتمل إلا بإعمال مبدأ المساءلة. فكل ادعاء بوقوع انتهاكات جسيمة يجب أن يقابله تحقيق مستقل ونزيه وفعال، وصولا إلى محاسبة المسؤولين وفقا للقانون، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية. فالعدالة التي تتوقف عند حدود النفوذ السياسي ليست عدالة، بل إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.
الإفلات من العقاب ينتج المزيد من العنف
تابع رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات قائلا: لقد أثبتت التجارب الدولية أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى إنتاج المزيد من العنف وإطالة أمد النزاعات. ومن ثم، فإن العدالة الجنائية الدولية ليست وسيلة للانتقام، بل ضمانة لحماية الإنسان وردع الجناة ومنع تكرار الانتهاكات وبناء سلام دائم قائم على احترام القانون.
الدور المصري: نموذج يجمع بين السياسة والإنسانية
في هذا الإطار، يبرز الدور المصري كنموذج يجمع بين التحرك السياسي والمسؤولية الإنسانية. فقد واصلت مصر جهودها من أجل وقف إطلاق النار وتيسير دخول المساعدات الإنسانية ودعم المساعي الرامية إلى حماية المدنيين وتهيئة الظروف لاستعادة الاستقرار. كما أكدت في مختلف المحافل الدولية أن تحقيق السلام لا يمكن أن ينفصل عن احترام القانون الدولي وإنفاذ قواعده والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
دعوة لإعادة الاعتبار لعالمية العدالة
أكد وليد فاروق أن اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية يجب أن يكون دعوة صادقة لإعادة الاعتبار لمبدأ عالمية العدالة. فلا يجوز أن تبقى قواعد القانون الدولي رهينة الانتقائية أو ازدواجية المعايير، لأن ذلك يقوض الثقة في المؤسسات الدولية ويضعف قدرتها على أداء رسالتها.
غزة: الاختبار الحقيقي لمنظومة العدالة الدولية
وإذا كانت العدالة الجنائية الدولية قد أنشئت من أجل حماية الإنسانية من أخطر الجرائم، فإن غزة اليوم تمثل الاختبار الحقيقي لمصداقية هذه المنظومة. فإما أن تثبت المؤسسات الدولية قدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والواقع العملي بما يهدد مستقبل العدالة الدولية ذاتها. وستظل حقوق الضحايا والحق في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر والمساءلة هي المعيار الحقيقي الذي يقاس به نجاح المجتمع الدولي في الدفاع عن قيم العدالة وسيادة القانون.