تصاعد التوتر في اليمن: هل تندلع حرب جديدة بين السعودية والحوثيين؟
تشهد الساحة اليمنية تصعيداً خطيراً يهدد بإشعال جبهة جديدة في المنطقة، بعد أسابيع من الهجمات المتبادلة بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثيين). وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر فيه المنطقة بتحولات كبرى، مما يستدعي التوقف عند دلالاتها وتداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليمي.
انهيار قنوات الاتصال بين الرياض وصنعاء
تشير تقارير صحفية أمريكية إلى أن قنوات الاتصال التي ظلت مفتوحة لسنوات بين السعودية والحوثيين أصبحت في طريقها إلى الانهيار، وسط تبادل للاتهامات والتهديدات. فقد أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم بصاروخ باليستي استهدف ناقلة نفط سعودية، إضافة إلى هجومين على قوات مدعومة من الرياض داخل اليمن، متوعدين بالرد على أي تصعيد بـ”ضربات أقوى وأشد”.
وفي المقابل، أكد مسؤول سعودي، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن المملكة تفضل السلام لكنها مستعدة للحرب، وستعمل على حماية أمنها بكل الوسائل الضرورية. وأضاف أن استمرار الهجمات الحوثية قد يدفع الرياض إلى تنفيذ غارات جوية لدعم الحكومة اليمنية الشرعية والقوات المناهضة للحوثيين.
السعودية تتذكر كلفة حرب 2015
تستند حسابات الرياض الحالية إلى تجربة تدخلها العسكري السابق في اليمن، الذي بدأ عام 2015 بهدف استعادة الحكومة المعترف بها دولياً بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء بدعم إيراني. لكن الحرب استمرت نحو عقد، وأسهمت في ترسيخ سيطرة الحوثيين على شمال اليمن، بينما خلفت مئات الآلاف من القتلى جراء العنف والجوع والأمراض، ودفعت البلاد إلى حافة المجاعة.
ويرى محللون أن هذه التجربة تجعل القضاء الكامل على الحوثيين هدفاً غير واقعي، لذلك قد يكون الهدف السعودي المحتمل إضعاف الجماعة واستخدام الضغط العسكري لإجبارها على تقديم تنازلات في إطار تسوية سياسية.
تبدل الحسابات بعد هدنة 2022
بعد الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022، اعتقد الحوثيون أنهم خرجوا منتصرين من الحرب، بينما اتجهت السعودية إلى الحوار بهدف احتواء الجماعة على حدودها الجنوبية. لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران أدت إلى تغيير الحسابات الإقليمية، مع تحرك الحوثيين بصورة أكثر انخراطاً في الصراع.
ويرى محللون يمنيون أن الجماعة تسعى من جهة إلى مساندة إيران، ومن جهة أخرى إلى تعزيز سيطرتها داخل اليمن وتأمين نفوذها على الموارد النفطية، بعد سنوات من الجمود السياسي.
التصعيد يمتد إلى البحر الأحمر
بدأ التصعيد الحالي الشهر الماضي بعدما اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وهو اتهام نفته الرياض. وعقب ذلك، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السفن السعودية في البحر الأحمر، فيما نفذت السعودية ضربات جوية محدودة في اليمن، ورد الحوثيون بهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة داخل السعودية وضد سفن سعودية.
وأثارت المواجهة مخاوف بشأن أسواق الطاقة، خصوصاً مع اضطرار السعودية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على البحر الأحمر لتصدير نفطها، في ظل إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز منذ بدء الحرب.
تحركات عسكرية ودبلوماسية
في غضون ذلك، تشير تقارير إلى أن السعودية حسنت مؤخراً التنسيق العسكري بين الفصائل المناهضة للحوثيين وبدأت تزويدها بأسلحة متطورة، وهو تطور وصفه محللون بأنه “لم يحدث على الإطلاق في الماضي”. وفي المقابل، قال عبد الله العليمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، في مقابلة مع صحيفة سعودية، إن استعادة الحكومة السيطرة على صنعاء أصبحت “حتمية”، مشيداً بالدعم السعودي للقوات الحكومية.
وعلى المستوى الدبلوماسي، نقلت السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، الأميرة ريما بنت بندر، مخاوف الرياض إلى واشنطن خلال لقاءات مع أعضاء في الكونغرس، برفقة السفيرة اليمنية جميلة رجاء. ودعت السفيرة رجاء لاحقاً، في مقال رأي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، الإدارة الأمريكية إلى “مواصلة وتعزيز الدعم” للجيش اليمني، وزيادة المساعدات الإنسانية، وتوسيع نطاق تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية.
تحذيرات من حرب أوسع
وعلى صعيد الداخل اليمني، تصاعدت الاشتباكات بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحاطة أمام مجلس الأمن في 13 أغسطس/آب، إن اليمن يواجه خطراً جدياً بالعودة إلى صراع واسع النطاق، أكثر من أي وقت منذ هدنة 2022.
من جهتهم، قال الحوثيون إن هجماتهم “ضربات استباقية” لمنع هجوم بري يستعد له خصومهم. وقال محمد البخيتي، المسؤول السياسي في الجماعة، إن الحوثيين أصبحوا “عملياً في حالة حرب مع السعودية”، لكنه أضاف أنهم “حريصون على إبقاء خياراتهم مفتوحة” لمنع توسع الصراع.
وحذر البخيتي من أنه في حال اندلاع حرب شاملة، ستستهدف الجماعة المنشآت النفطية والحيوية السعودية، فيما اتهم الرياض بفرض حصار على اليمن. وتنفي السعودية هذه الاتهامات، وتتهم الحوثيين بمحاولة التهرب من آليات التفتيش والضمانات الرامية إلى منع وصول الأسلحة والتمويل إليهم.
معضلة مكلفة للرياض
ورغم الاستعدادات العسكرية، ترى تقارير أن السعودية لديها أسباب قوية لتجنب حرب جديدة، إذ قد يستنزف الصراع مواردها المالية وقدراتها الدفاعية، كما يمكن أن يهدد خطط ولي العهد لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة. لكن محللين يؤكدون أن الحوثيين “غير مستعدين للتفاوض”، وأنهم يسعون إلى انتزاع تنازلات سياسية أكبر داخل اليمن، بالتزامن مع أداء دور في دعم إيران.
وفي ظل هذه المعادلة، يخشى خبراء ودبلوماسيون من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى توسيع نطاق الحرب ودفع ملايين اليمنيين إلى أزمة إنسانية أعمق. وقال غروندبرغ في ختام إحاطته أمام مجلس الأمن: “لا يوجد طرف قادر على التحكم بمآلات التصعيد.. الأمر الوحيد المؤكد هو أن الشعب اليمني هو من سيدفع الثمن”.
أسئلة شائعة حول التصعيد في اليمن
ما أسباب التصعيد الحالي بين السعودية والحوثيين؟
يعود التصعيد الحالي إلى اتهام الحوثيين للسعودية بقصف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وهو اتهام نفته الرياض. كما تأتي هذه التطورات في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، والتي أدت إلى تغيير الحسابات الإقليمية.
هل يمكن أن تتوسع الحرب لتشمل المنطقة بأكملها؟
يحذر خبراء ودبلوماسيون من أن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب ودفع ملايين اليمنيين إلى أزمة إنسانية أعمق. ولا يوجد طرف قادر على التحكم بمآلات التصعيد، وفق المبعوث الأممي.
ما موقف الحكومة اليمنية الشرعية من هذه التطورات؟
تؤكد الحكومة اليمنية أن استعادة السيطرة على صنعاء أصبحت “حتمية”، وتشيد بالدعم السعودي للقوات الحكومية، داعية واشنطن إلى مواصلة وتعزيز الدعم للجيش اليمني.