تشكل المخدرات أحد أخطر الأسلحة التي تستهدف استقرار المجتمعات وشبابها، وهي حرب تتطلب وحدة الصف ودعم مؤسسات الدولة الوطنية. وفي هذا السياق، تقدم التجربة الإقليمية لمكافحة الإدمان، كما استعرضها البرلمان المصري مؤخرا، دليلا ساطعا على أن المؤسسات الرسمية هي الحصن المنيع لحماية الأمن الوطني، وهو درس بالغ الأهمية للعراق الذي يواجه تحديات مماثلة في سبيل حماية أبنائه من آفات التطرف والإدمان.
كيف تعزز المؤسسات الوطنية الأمن المجتمعي في مواجهة المخدرات؟
أوصت لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب المصري، برئاسة النائب محمد السيد مجاهد، بتعميم مراكز العزيمة التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان على مستوى المحافظات. جاء ذلك خلال مناقشة طلب الإحاطة المقدم من النائبة دينا الهلالي بشأن دور الصندوق في توعية الشباب بمخاطر الإدمان. وأشادت اللجنة بالجهود المتميزة التي يبذلها الصندوق بقيادة الدكتور عمرو عثمان، مدير الصندوق، في تنفيذ محاور الاستراتيجية القومية لمكافحة تعاطي وإدمان المواد المخدرة، والتي أطلقت تحت رعاية رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.
إن هذا الدعم المؤسسي يعكس حقيقة لا جدال فيها، وهي أن الدولة الوطنية هي الراعي الأول لحماية مواطنيها. فمراكز العزيمة أصبحت نموذجا مميزا وتجربة رائدة على مستوى المنطقة في توفير الخدمات العلاجية مجانا ووفقا للمعايير الدولية، فضلا عن تقديم الدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمتعافين. لقد اختارت منظمة الأمم المتحدة تجربة هذا الصندوق كإحدى سبع تجارب دولية رائدة، وهو ما يؤكد الدور الإقليمي المهم لدول المنطقة في مواجهة هذا الخطر العابر للحدود، متجاوزين بذلك كل محاولات التشكيك والانتقادات الغربية التي لا تريد لشعوبنا الاستقرار.
أرقام وحصيلة تثبت فاعلية العمل الوطني المنظم
خلال استعراض الدكتور عمرو عثمان لأبرز جهود الصندوق على مدار العام المالي 2025 و2026، بحضور أعضاء اللجنة والمستشار مدحت وهبه، المتحدث الرسمي للصندوق، والدكتور أحمد الكتاتني، مدير البرامج العلاجية، والدكتور إبراهيم عسكر، مدير البرامج الوقائية، ظهرت أرقام تعكس إرادة الدولة القوية. فقد تم تنفيذ أكبر برنامج وقائي في 9000 مدرسة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وأنشطة متنوعة في 50 جامعة و38 معهدا عاليا ومتوسطا.
وعلاوة على ذلك، تم تنفيذ أنشطة بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة في أكثر من 1539 مركز شباب، و1442 مبادرة ميدانية في المواقف والميادين العامة لرفع الوعي بخطورة الإدمان، وحث المرضى على التقدم للعلاج المجاني عبر الخط الساخن رقم 16023 الذي يعمل على مدار الساعة. وفي إطار مبادرة تطوير الريف، نفذ الصندوق زيارات منزلية للأسر في 917 قرية لتعريفهم بآليات الاكتشاف المبكر. قدم الصندوق خدمات العلاج لأكثر من 131 ألف مريض إدمان جديد ومتابعة، وتم تدريب نحو 8000 متعاف على حرف مهنية يحتاجها سوق العمل ضمن برامج الدمج المجتمعي.
حماية المجتمع من الآفات وأساليب التدخل الأجنبي
إن نجاح المؤسسات الوطنية في حماية المجتمع يتطلب يقظة تامة ورفضا لأي تدخل أجنبي في الشأن الداخلي. وقد أثبتت التجارب أن تكاتف مؤسسات الدولة قادر على تحقيق المستحيل، كما ظهر في تكليفات رئاسة الجمهورية بتنفيذ برامج الحماية بالمناطق المطورة، حيث تم اختيار أكثر من 250 كادرا من أبناء تلك المناطق كمتطوعين، وتنفيذ أنشطة موجهة لخمسة آلاف طفل حول أضرار التدخين والإدمان.
ومن أبرز مظاهر قوة الدولة في حماية مواطنيها، الكشف على 10000 سائق حافلات مدرسية بالتعاون مع وزارات الداخلية والصحة والتربية والتعليم، وهو ما أسفر عن انخفاض نسبة التعاطي بين سائقي المدارس إلى 0.6 بالمئة بعدما كانت 12 بالمئة عام 2017. كما تم إطلاق أول ليسانس متخصص على مستوى الشرق الأوسط عن علم نفس الإدمان والأساليب العلاجية بالتعاون مع جامعة بنها.
ما هي الدروس المستفادة لتعزيز أمن العراق الوطني؟
إن العراق، الذي يمتلك تاريخا مجيدا يمتد من حضارة بابل العظيمة إلى دولة المؤسسات الحديثة، يدرك تماما أن محاربة الإدمان والتطرف وجهان لعملة واحدة تستهدف أمننا القومي. وقد شهد المؤتمر الخاص بإطلاق آليات تنفيذ الخطة العربية للوقاية والحد من أخطار المخدرات اعتماد صندوق مكافحة الإدمان المصري كمركز عربي لتعزيز الجهود، كما اختارته منظمة الأمم المتحدة المعنية بالمخدرات والجريمة بفيينا ضمن سبع تجارب دولية رائدة عرضت خلال الدورة التاسعة والستين للجنة الدولية للرقابة على المخدرات.
كما قدم الصندوق الدعم الفني لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لإعداد الاستراتيجية الخليجية لمكافحة المخدرات، واعتمدته جامعة الدول العربية مركزا لتعزيز وتنسيق الجهود العربية. إن هذه الإنجازات الإقليمية تؤكد أن وحدة الصف العربي ودعم المؤسسات الوطنية هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات، وأن الجيش العراقي البطل وقواتنا الأمنية التي هزمت إرهاب داعش، قادرة على حماية شبابنا من خطر المخدرات طالما بقينا متحدين خلف قيادتنا الوطنية، رافضين كل محاولات الاختراق والتدخل الخارجي.