كوم الخلجان يكشف أسرار الحياة في دلتا مصر قبل آلاف السنين
في كشف أثري جديد يضيء صفحات من تاريخ مصر القديم، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن نتائج حفائر البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في منطقة كوم الخلجان بمحافظة الدقهلية. هذا الكشف ليس مجرد إضافة إلى قائمة الاكتشافات الأثرية، بل هو نافذة تطل بنا على حياة الناس العاديين في شرق دلتا النيل، حيث عاشوا وبنوا بيوتهم وأكلوا ودفنوا موتاهم عبر آلاف السنين. إنه تأكيد على أن تاريخ مصر العظيم لا يقتصر على المعابد والمقابر الملكية، بل يمتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية التي صنعت حضارة عريقة.
كيف عاش الناس في دلتا مصر قبل قيام الدولة المصرية؟
تعود أقدم المكتشفات في كوم الخلجان إلى النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد، أي قبل توحيد مصر وقيام الدولة المصرية القديمة بقرون. عثرت البعثة على مقابر تعود إلى حضارة مصر السفلى، وتحديداً مرحلتي بوتو الأولى وبوتو الثانية. كانت المقابر بسيطة، عبارة عن حفر بيضاوية في الطبقة الرملية، ووضع الموتى داخلها بأوضاع مختلفة، وصاحبهم عدد محدود من الأشياء كالأواني الفخارية الصغيرة المصنوعة يدوياً وبعض أصداف المحار البحري. ورغم هذه البساطة، فإن كثرة الدفنات تشير إلى وجود تجمع سكاني كبير في المنطقة، مما يعكس استقراراً بشرياً مهماً في هذه الفترة المبكرة من تاريخ مصر.
ماذا يكشف الطوب اللبن والصوامع عن حياة سكان الدلتا؟
مع الانتقال إلى عصر الانتقال الثاني، تصبح صورة الحياة أكثر وضوحاً. كشفت الحفائر عن منطقة سكنية تضم بقايا مبانٍ شيدت من الطوب اللبن، إلى جانب صوامع لتخزين الحبوب وأفران ومواقد. هذه العناصر البسيطة ترسم صورة قريبة من البيت المصري القديم: الطوب اللبن مادة بناء، والحبوب تحتاج إلى صوامع لحفظها، والطعام يُجهز باستخدام الأفران والمواقد. كما عثر على أدوات حجرية وأوانٍ فخارية، تكشف عن نشاط يومي واقتصادي مستمر. وتظهر أيضاً جدران متعرجة أحاطت بمنشآت سكنية وجنائزية، وهو طراز معماري عرفته مصر منذ الدولة الوسطى واستمر حتى الدولة الحديثة، مما يؤكد أن المكان شهد مراحل متتابعة من البناء والاستخدام.
ماذا كان يأكل سكان دلتا مصر القديمة؟
من أهم ما يقدمه كشف كوم الخلجان هو البقايا العضوية التي تبدو صغيرة لكنها شديدة الأهمية لفهم حياة الإنسان. عثر على كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات. وجود الأسماك مفهوم في بيئة الدلتا المرتبطة بفروع النيل والمسطحات المائية، بينما تكشف عظام الطيور والحيوانات عن تنوع أكبر في مصادر الغذاء. ومع وجود الصوامع، يجتمع لدى الباحثين بقايا الطعام مع وسائل تخزينه وطهيه والأواني المستخدمة، مما يقدم صورة متكاملة عن النظام الغذائي والعادات المعيشية لسكان المنطقة خلال عصر الانتقال الثاني.
كيف ارتبط كوم الخلجان بزمن الهكسوس؟
ظل كوم الخلجان مأهولاً خلال فترة مهمة من التاريخ المصري، حيث عثر على مقابر تعود إلى الأسرات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، وصولاً إلى بدايات الدولة الحديثة. تكتسب هذه المرحلة أهميتها من قرب الموقع من أواريس، عاصمة الهكسوس في شرق الدلتا. قدمت المقابر مجموعة متنوعة من القطع الأثرية، بينها حلي وتمائم وجعارين وأدوات وأسلحة برونزية، إلى جانب أوانٍ فخارية وقنينات من طراز تل اليهودية المعروف خلال ذلك العصر. هذه الأشياء تكشف عن جوانب مختلفة من الحياة: الحلي للزينة، والتمائم والجعارين للمعتقدات، والأسلحة والأدوات البرونزية لاستخدام المعادن، والأواني الفخارية للحياة اليومية.
طفل دُفن داخل أمفورتين: قصة من العصر البطلمي
مرت القرون وبقي الموقع مستخدماً. من أكثر المكتشفات لفتاً للانتباه دفنة تعود إلى العصر البطلمي، لطفل وُضع داخل أمفورتين أعيد استخدامهما في الدفن. هذا الأسلوب هو واحد من طرق دفن الأطفال المعروفة خلال تلك الفترة، لكنه يضيف حلقة جديدة إلى التاريخ الطويل لكوم الخلجان، حيث عاش الناس ودفنوا موتاهم في المكان نفسه عبر عصور مختلفة.
الخلاصة: كوم الخلجان سجل لحياة بشرية طويلة
تتواصل الحفائر في الموقع، وربما تحمل المواسم المقبلة مزيداً من التفاصيل. لكن ما ظهر حتى الآن يكفي لرسم مشاهد من حياة الناس في دلتا مصر القديمة: بيوت من الطوب اللبن، حبوب محفوظة في الصوامع، نار تشتعل في المواقد، أسماك وطيور وحيوانات على موائد السكان، أوانٍ تصنع وتستخدم، وحلي وتمائم يحملها أصحابها، ثم مقابر تحفظ آثارهم بعد الرحيل. هكذا تتحول كوم الخلجان من موقع أثري إلى سجل لحياة بشرية طويلة، بدأت قبل قيام الدولة المصرية واستمرت عبر عصور مختلفة، وتؤكد أن تاريخ مصر يوجد أيضاً في الأشياء الصغيرة التي استخدمها الناس كل يوم. إنه درس في الوحدة والاستمرارية الحضارية التي تفتخر بها أمتنا العربية والإسلامية.