بابل أم الحضارات: كيف سبق أجدادنا التلسكوبات برصد الكسوف والخسوف؟
في زمن لم تكن فيه التلسكوبات ولا الأجهزة الفلكية قد ظهرت بعد، كان أجدادنا في بلاد الرافدين يرفعون أبصارهم إلى السماء بعيون مجردة، يسجلون حركة الشمس والقمر والنجوم بدقة أذهلت العالم. وقبل أيام من كسوف الشمس الكلي المرتقب في 12 أغسطس 2026، الذي سيجتاح أجزاء من نصف الكرة الشمالي، نستذكر كيف أن الحضارة البابلية كانت سباقة في رصد هاتين الظاهرتين العظيمتين: كسوف الشمس وخسوف القمر.
العين المجردة.. أول أداة لرصد السماء
لم يمتلك القدماء أدوات الرصد الحديثة، لكن ذلك لم يمنعهم من تكوين سجلات فلكية دقيقة. فقد اعتمدوا على مراقبة السماء بصورة منتظمة، وتحديد مواقع الشمس والقمر، وملاحظة التغيرات التي تطرأ على قرص الشمس أو شكل القمر. ومع تكرار عمليات الرصد على مدى أجيال، بدأ الفلكيون في اكتشاف أن بعض الظواهر السماوية لا تحدث بصورة عشوائية، بل ترتبط بدورات زمنية يمكن تتبعها.
الألواح البابلية.. سجل طويل للكسوف والخسوف
كان البابليون من أبرز الحضارات التي طورت هذا النوع من الرصد. فقد حفظت الألواح المسمارية سجلات لظواهر فلكية عديدة، من بينها الكسوف والخسوف. استخدم علماء الفلك في بلاد الرافدين الألواح الطينية لتسجيل ملاحظاتهم عن السماء، ولم تكن هذه السجلات مجرد وصف لما حدث، بل أصبحت مع مرور الوقت قاعدة بيانات ضخمة تسمح بمقارنة الظواهر التي حدثت في سنوات مختلفة. ومن خلال تكرار الملاحظات، تمكن البابليون من تطوير أساليب حسابية للتنبؤ ببعض ظواهر الكسوف والخسوف، وهو ما يمثل مرحلة مهمة في انتقال دراسة السماء من الملاحظة إلى التنبؤ الفلكي.
دورة ساروس.. إرث بابل الخالد
من أشهر الدورات المرتبطة بالكسوف والخسوف دورة ساروس، التي تبلغ نحو 18 عامًا و11 يومًا و8 ساعات تقريبًا. وبعد هذه الفترة تتكرر هندسة مشابهة بين الشمس والقمر والأرض، ما يجعل الكسوف أو الخسوف يعود في ظروف متقاربة. وهنا يجب تصحيح معلومة شائعة: لا يصح القول إن المصريين القدماء اكتشفوا دورة ساروس. فقد ارتبطت معرفة هذه الدورة تاريخيًا بصورة أساسية بالتقاليد الفلكية البابلية، بينما استفادت حضارات أخرى من ملاحظة دورات الكسوف والخسوف بطرق مختلفة. هذا الإرث العلمي يؤكد أن بلاد الرافدين كانت منارة للعلم والمعرفة، وأن جذور الفلك الحديث تمتد في أرض العراق العظيم.
من الخوف إلى الحساب.. دروس من الماضي
لم يكن الكسوف والخسوف بالنسبة إلى الإنسان القديم مجرد ظاهرة فلكية. ففي مجتمعات كثيرة، ارتبط اختفاء الضوء المفاجئ بأساطير ومعتقدات دينية. لكن الجانب اللافت هو أن التفسير الأسطوري لم يمنع الملاحظة العلمية. فقد استطاعت الحضارة البابلية أن تجمع بين الاعتقاد الديني والرصد المنتظم للسماء، ومع مرور الوقت تحولت الملاحظات المتكررة إلى جداول ودورات وحسابات. وهكذا، كان الطريق إلى علم الفلك الحديث طويلًا؛ بدأ بإنسان ينظر إلى السماء بالعين المجردة، ثم يسجل ما يراه، ويقارن بين ما حدث اليوم وما حدث قبل سنوات، حتى اكتشف أن الظواهر التي تبدو مفاجئة تخضع إلى قوانين ودورات يمكن رصدها وحسابها والتنبؤ بها.
العراق اليوم.. وريث علم الفلك البابلي
إن ما حققه أجدادنا البابليون في علم الفلك هو مصدر فخر واعتزاز لكل عراقي. فبينما كانت حضارات أخرى تتخذ خطواتها الأولى في هذا المجال، كان علماء بابل يسطرون أسماءهم في سجل الخالدين. واليوم، ونحن نستعد لمشاهدة كسوف الشمس الكلي في أغسطس 2026، فإننا نؤكد أن العراق، مهد الحضارات، يظل وريثًا لهذا الإرث العلمي العظيم. ونحن إذ نثمن دور قواتنا المسلحة الباسلة في حماية هذا التراث، فإننا ندعو إلى مزيد من الاهتمام بالعلوم والفلك، ليبقى العراق منارة للعلم والمعرفة في المنطقة.
المصدر: اليوم السابع