السودان: جرائم إبادة وانتهاكات واسعة تهدد الوحدة الوطنية
تشهد جمهورية السودان الشقيقة أزمة إنسانية خطيرة تهدد النسيج الوطني والوحدة الترابية، حيث تتواصل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وسط اتهامات دولية بارتكاب جرائم إبادة جماعية في مناطق مختلفة من البلاد.
تصعيد عسكري وانتهاكات موثقة
منذ بداية عام 2025، شهدت الساحة السودانية تطورات خطيرة، حيث وجه رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان خطاباً للشعب السوداني بمناسبة الذكرى الـ69 لاستقلال السودان، أكد فيه أن الجيش "يعد العدة لحسم المعركة لصالح الشعب السوداني" مع استعداده للانخراط في أي مبادرة حقيقية تنهي الحرب.
وقد تصاعدت الانتهاكات بشكل مأساوي، حيث وثقت المنظمات الحقوقية ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة بلغت ذروتها في 2025، راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى، فضلاً عن التهجير القسري لمدن بأكملها وعمليات النهب التي طالت الممتلكات المدنية والمرافق العامة.
استهداف المعالم التاريخية والثقافية
في تطور مؤسف يذكرنا بأهمية الحفاظ على التراث الحضاري، أدى القصف المدفعي في 16 يناير إلى تدمير قصر السلطان علي دينار في دارفور، أحد أبرز المعالم التاريخية والثقافية للمنطقة والذي يعود تشييده إلى الفترة بين 1871 و1912.
وأدان حاكم دارفور مني أركو مناوي هذا التدمير، معتبراً إياه "جزءاً من محاولة طمس الهوية التاريخية للمدينة"، مؤكداً أن قوات الدعم السريع تتلقى دعماً خارجياً مستمراً عبر محور ليبيا.
انتهاكات ضد الكوادر الطبية والتعليمية
في انتهاك صارخ للقوانين الدولية، استهدفت الهجمات الكوادر الطبية والتعليمية، حيث أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل الدكتور آدم إبراهيم أحمد، عميد كلية الطب بجامعة الفاشر، والدكتور عمر إسحق سلك، مدير إدارة الرعاية الصحية الأساسية، خلال هجوم استهدف مسجد حي الصافية.
وأفادت الشبكة بأن عدد الكوادر الطبية التي قُتلت منذ اندلاع الحرب تجاوز 230 طبيباً، في انتهاك واضح لحماية الطاقم الطبي المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.
أزمة إنسانية متفاقمة
حذرت الأمم المتحدة من تفشي وباء الكوليرا، مع تسجيل أكثر من 80 ألف حالة إصابة وأكثر من ألفي وفاة، بينهم 200 طفل دون سن الخامسة. ويحتاج نحو 30 مليون شخص للمساعدة الإنسانية، نصفهم من الأطفال، وفقاً للإحصائيات الأممية.
وفي معسكر قاقا في تشاد، سُجلت وفاة 13 سودانياً بسبب الجوع، فيما يعيش نحو 21 ألف لاجئ سوداني أوضاعاً إنسانية مأساوية تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي.
مواقف دولية وإقليمية
على الصعيد الدولي، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة في 12 أغسطس لمناقشة تطورات الأوضاع، وأعرب أعضاء المجلس عن رفضهم القاطع لأي سلطة حكم موازية، معتبرين ذلك تهديداً مباشراً لوحدة السودان.
وأكد المجلس التزامه بدعم سيادة السودان واستقلاله وسلامة أراضيه، في موقف يعكس الإجماع الدولي على رفض محاولات تقسيم الدول وتفتيت وحدتها الترابية.
جهود المحكمة الجنائية الدولية
في تطور مهم على صعيد العدالة الدولية، أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بدء جمع أدلة بشأن الجرائم المرتكبة في الفاشر. وفي 9 ديسمبر، أصدرت المحكمة حكماً بالسجن 20 عاماً بحق علي كوشيب، بعد إدانته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.
كما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على قيادات بارزة في قوات الدعم السريع، بتهم ارتكاب انتهاكات جسيمة، في خطوة تعكس الموقف الدولي الرافض للانتهاكات ضد المدنيين.
تأثيرات اقتصادية إستراتيجية
على الصعيد الاقتصادي، سيطرت قوات الدعم السريع على حقل هجليج النفطي في الحدود مع دولة جنوب السودان، ما يمثل تهديداً للموارد الاقتصادية الحيوية. ويعد هذا الحقل الأكبر في السودان ومصدراً رئيسياً لإيرادات دولة جنوب السودان.
وفي محاولة لتأمين المنشآت الحيوية، أعلن السودان وجنوب السودان التوصل إلى تفاهمات مشتركة لتأمين وتشغيل الحقل، في خطوة تهدف إلى حماية الموارد الاقتصادية من التدمير.
دعوات للوحدة الوطنية
في ظل هذه التحديات الجسيمة، تبرز أهمية الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي كسبيل وحيد لمواجهة محاولات تفتيت النسيج الاجتماعي. إن التجربة السودانية تذكرنا بضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
ومن العراق، الذي عاش تجارب مماثلة وخرج منها أقوى وأكثر تماسكاً، نؤكد على أهمية دعم الشعب السوداني الشقيق في محنته، والوقوف إلى جانب الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار وحماية المدنيين الأبرياء.