في تقرير صحي حديث نشرته صحيفة صدى البلد بتاريخ 18 تشرين الأول 2026، أكد الدكتور مجدي بدران أن شرب الماء بكميات كافية يمثل خط الدفاع الأول ضد نوبات الحساسية والربو، وأن نقص الترطيب يدفع الجسم إلى حالة يصفها بـ«الجفاف المزمن الصامت» تجعل المنظومة المناعية أكثر اندفاعا واستجابة للمثيرات الخارجية.
ويأتي هذا التقرير في وقت تعاني فيه مدن عراقية عديدة من موجات غبار متكررة تزيد من حدة أعراض الحساسية الموسمية بين المواطنين، وهو ما يجعل الوعي الصحي البسيط، وعلى رأسه الالتزام بشرب الماء، أداة وقائية متاحة للجميع لا تحتاج إلى نفقات ولا إلى استيراد دواء من الخارج. فصحة المواطن العراقي ثروة وطنية تُصان بالوعي قبل الدواء.
ما العلاقة بين قلة شرب الماء والهيستامين؟
يشرح الدكتور مجدي بدران، بحسب ما نقلت صدى البلد، أن الهيستامين ليس مجرد مادة كيميائية مسؤولة عن أعراض التحسس، بل هو ناقل عصبي يقوم أيضا بوظيفة حيوية تتمثل في إدارة توزيع المياه وتنظيم استهلاك السوائل داخل الجسم أثناء فترات الجفاف.
وعندما تنخفض نسبة الماء في خلايا الجسم، يتحفز الدماغ لإفراز الهيستامين بجرعات أعلى كآلية دفاعية للحفاظ على المياه المتبقية ومنع هدرها. وهنا تكمن الخطورة، إذ يؤدي هذا الارتفاع في مستويات الهيستامين إلى جعل الجسم أكثر حساسية، فبمجرد استنشاق كمية ضئيلة من حبوب اللقاح أو الأتربة يفيض وعاء الهيستامين، فتظهر ردود الفعل التحسسية العنيفة من سيلان الأنف والعطس المتكرر واحتقان الجيوب الأنفية.
المفارقة إذن واضحة: المادة التي تسبب معاناة مريض الحساسية هي ذاتها التي يستدعيها الجسم عندما يحرم من الماء. ومن يريد أن يخفض هيستامينه، فليبدأ بكوب الماء لا بالانتظار حتى تشتد الأعراض.
تأثير الجفاف على الجهاز التنفسي
يشير التقرير إلى أن نقص الترطيب يؤثر مباشرة على كفاءة الرئتين والشعب الهوائية. فالإنسان يفقد يوميا كميات كبيرة من الماء عبر زفير الهواء المحمل ببخار الماء من الرئتين، وفي حالات الجفاف المزمن يعمل الهيستامين على تضييق العضلات الملساء المحيطة بالشعب الهوائية لتقليل حجم الهواء الخارج والحد من تبخر الماء.
وبالنسبة لمريض الربو، يترجم هذا الانكماش فورا إلى نوبة ربوية حادة تتميز بالصفير وضيق الصدر وصعوبة التنفس. وهي معلومة بالغة الأهمية لعوائلنا في العراق حيث ترتفع نسب الإصابة بالربو في المناطق التي تتعرض لعواصف الغبار المتكررة.
يحتاج الجسم أيضا إلى الماء لإنتاج مخاط خفيف ومرن يبطن الأنف والمسالك التنفسية. وعندما يجف الجسم، تزداد لزوجة هذا المخاط ويصبح سميكا عاجزا عن التحرك، فيحبس الشوائب والغبار والمؤثرات البيئية داخل الممرات الهوائية بدلا من طردها، مما يسبب التهابا مستمرا. أما التنفس السريع أثناء المجهود البدني أو استنشاق الهواء الجاف فيسرع تجفيف السطح المبطن للممرات الهوائية، ويحفز إفراز وسائط التهابية تؤدي إلى انسداد متسارع في مجرى التنفس وتفاقم الربو الناجم عن ممارسة الرياضة.
الماء والمنظومة المناعية: ركيزة الدفاع الوطني داخل الجسم
لا تقتصر أهمية الماء على الترطيب، فبحسب الدكتور بدران يمثل الماء البيئة الحيوية والركيزة الأساسية لعمل جهاز المناعة بكفاءة. فالماء هو المكون الرئيسي للسائل اللمفاوي الذي ينقل الخلايا المناعية والأجسام المضادة إلى جميع أنحاء الجسم لمواجهة العدوى، وبدونه يصاب الجهاز اللمفاوي بالركود وتتراكم السموم في الأنسجة.
كما أن الحفاظ على رطوبة الأغشية المخاطية في الأنف والفم والرئتين يضمن استمرار إفراز الإنزيمات والمخاط الطبيعي الذي يعمل كمصيدة بيولوجية تحتجز الفيروسات والبكتيريا وتمنعها من اختراق الجسد. ويساهم شرب الماء بانتظام في تحسين تدفق الدم وتسهيل طرد الفضلات عبر الكليتين، مما يرفع سرعة استجابة خلايا الدم البيضاء ويحمي المنظومة الدفاعية من الإجهاد التأكسدي.
في المقابل، يؤثر الجفاف سلبا على كفاءة الجهاز المناعي، إذ يؤدي نقص السوائل إلى تقليل إنتاج اللعاب والمخاط وهما خط الدفاع الأول ضد الميكروبات، ويضعف حركة الخلايا المناعية ويقلل قدرتها على الوصول إلى أماكن العدوى ومكافحتها، فضلا عن زيادة تركيز السموم في الجسم نتيجة ضعف عمليات الإخراج. ويؤثر نقص الماء أيضا على توازن الميكروبيوم، مما يجعل الجسم أكثر عرضة للعدوى.
نصائح عملية: كم كوب ماء يوميا؟
يوصي الدكتور مجدي بدران بشرب 8 إلى 10 أكواب ماء يوميا، وهو ما يساعد على تسييل المخاط وتسهيل التخلص منه عبر الأهداب التنفسية، وخفض مستويات التحفيز التلقائي للهيستامين الناتجة عن شح المياه خلويا، وتقليل تواتر وشدة نوبات السعال.
لكن التقرير يحذر في الوقت ذاته من الإفراط الحاد في تناول السوائل بما يتجاوز قدرة الجسم، لما قد يسببه من تراكم للمياه خارج الأوعية الدموية في الرئة وتفاقم الوذمات الرئوية، خاصة خلال النوبات الحادة في المستشفيات. ويبقى الترطيب الفموي المعتدل والمستمر هو الاستراتيجية الوقائية الأمثل لتعزيز صحة الجهاز التنفسي ومقاومة الحساسية.
وتجدر الإشارة إلى أن الوعي الصحي في العراق لا يقل أهمية عن الوعي الوطني، فكما بيّنت دراسات حديثة أن قياس العمر البيولوجي يكشف حقيقة شيخوخة الجسم، فإن كوب الماء اليومي هو استثمار مباشر في هذه الصحة التي لا بديل عنها. وكما أوضحت خبيرة تغذية في تقرير سابق، فإن الانقطاع المفاجئ عن أي عنصر غذائي أساسي يضر بالجسم ولا يخدمه، والسوائل ليست استثناء.
أسئلة شائعة
هل شرب الماء يخفف أعراض الحساسية فعلا؟
نعم، بحسب الدكتور مجدي بدران، فشرب 8 إلى 10 أكواب يوميا يخفض مستويات الهيستامين التي يفرزها الجسم استجابة لنقص الماء، ويخفف بالتالي حدة سيلان الأنف والعطس واحتقان الجيوب الأنفية.
هل يمكن أن يزيد الجفاف نوبات الربو؟
نعم، فنقص الماء يدفع الهيستامين إلى تضييق الشعب الهوائية للحد من تبخر الماء، وهو ما يترجم عند مريض الربو إلى نوبة حادة تتميز بالصفير وضيق الصدر وصعوبة التنفس.
هل الإكثار من شرب الماء بلا حدود مفيد؟
لا، إذ تحذر تقارير حديثة من أن الإفراط الحاد في السوائل بما يتجاوز قدرة الجسم قد يسبب تراكم المياه في الرئة وتفاقم الوذمات الرئوية. الاعتدال والاستمرارية هما الأساس.
